فهرس الكتاب

الصفحة 2023 من 2668

معنى الحديث: أَنَّ رَجُلًا - من الأنْصَارِ - جَاءَ يَشْكُو إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُعَانِيهِ مِنَ الجُوعِ الشَّدِيدِ، فقال: يا رَسُولُ اللهِ! غَلَبَ عليَّ الجُوعُ حتَّى أَضْنَانِي، وبذلت كل جهدي فِي احتماله حتى نفد صبري، ولَمْ تَعُدْ لَدَيَّ قدرة ولا طاقة على تَحَمُّلِهِ، فأراد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يستضيفه فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَجِدْ فيه إلاّ الماء؛ فعرض على أَصْحَابِهِ أَنْ يَضُمَّهُ أحدهم إليه فِي طعامه، فاستضافه أبُو طَلْحَةَ الأَنْصَاريّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذهب به، وَقَالَ لامْرأتِه:"أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وفِي رِوَايَةٍ"لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا"أي لا تُبْقِي شَيْئًَا من الطَّعَامِ الموجود عندنا إلاّ قَدِّمِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ"فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ"أي أَحْضِرِي هذا الطَّعَامِ الموجود لَدَيْكِ"وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ"يعني وَأَشْعِلِي مِصْبَاحَكِ"وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً"دُونَ عَشَاءٍ،"فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا"أي فَعَلَتْ كُلَّ مَا أَمَرَهَا بِهِ زَوْجُهَا"ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ"أي ثُمَّ قَامَتْ إلى المِصْباحِ، وهي تُظْهِرُ للضَّيْفِ أنَّهَا تُرِيدُ إصْلاحَهُ، فَأَطْفَأَتْهُ لِيُصْبِحَ البَيْتُ مُظْلِمًَا، فلا يَرَى الضَّيْفُ مَا تفعله"فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ"أي يُحَرِّكَانِ أَسْنَانَهُما ويُظْهِرَانِ للضَّيْفِ أنَّهُمَا يَأْكُلانِ وهُمَا لا يَأْكُلانِ شَيْئًَا"فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ"أي جَائِعَيْنِ.

"فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي ذهب أبو طلحة صَبَاحًَا إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا (1) "التي بَلَغَتِ الغَايَةُ فِي الجُودِ والكَرَمِ والإيِثَارِ"فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) "أيْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصْفِ الأنُصَارِ هذه الآية التي أَثْنَى عليهم فيها بالتَّضْحِيَةِ والإِيثَارِ وتَفْضِيلِ مَصْلَحَةِ غَيْرِهِم من المُسْلِمِينَ على مَصْلَحَةِ أَنْفُسِهِم ولو كانوا فِي أَشَدِّ حَالاتِ الفَقْرِ والحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:"وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"أي ومَنْ يَتَغَلَّبْ على غَرِيزَةِ الشُّحِّ والحِرْصِ الموجودة فِي نفسه ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى فأولئك هُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: ما كان عليه الأنُصَارُ رِضْوَانُ اللهِ عليهم من الجُودِ والسَّخَاءِ والبَذْلِ والعَطَاءِ، وإكْرَامِ الضَّيْفِ، وإيثاره على أنفسهم وأولادهم، فِي حالة الضِّيقِ والشِّدَّةِ والفَقْرِ، وبَذْلِ كُلِّ مَا يَمْلِكُونَهُ لِإخْوَانِهِم المُسْلِمِينَ حتَّى قُوْتِهِم، وَقُوْتِ عِيَالِهِم وصِبْيَانِهِم.

ثَانِيًَا: بَيَانُ سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وأنَّها نزلت بسبب ما فعله أبو طلحة الأَنْصَاريّ وزوجته مع ضيفهما، وأنَّ الذين وَصَفَهُم الله تعالى بِهذه الصِّفَاتِ الكَرِيمَةِ هُمُ الأنْصَارِ، قال الحافظ فِي"الفتح":"وَعند بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَارِبِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت