لِلتَّبَعُّلِ وَالتَّحَدُّثِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِهَا، وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهَا، وَحَسْبُكَ أَنَّهَا عَقِلَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ تَعْقِلْ غَيْرُهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَرَوَتْ مَا لَمْ يَرْوِ مِثْلُهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّرِيدَ أَشْهَى الْأَطْعِمَةِ عِنْدَهُمْ وَأَلَذُّهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ ... فَذَاكَ ـ أَمَانَةَ اللَّهِ ـ الثَّرِيدُ"اهـ (3) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: امتيازُ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ عن بقية أمهات الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ بقدرٍ زائدٍ من الحَظْوَةِ والمحبة عند رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك شَبَّهَهَا بالثَّرِيدِ، لأَنَّهُ أَحَبُّ الأَطْعِمَةِ إلى نُفُوسِ العَرَبِ، فإنَّهُم يُحِبُّوْنَهُ أكثر مِنْ غَيْرِهِ، قال ابن القيم:"تَشْبِيهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ بالثَّرِيدِ تَعْبِيرٌ منه عن شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا".
ثانيًا: اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بِهذا الحَدِيثِ على تَفْضِيلِ عَائِشَةَ على غَيْرِهَا وأَكَّدُوا اسْتِدْلالَهُم هذا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا أُمَّ سَلَمَةَ لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيّ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ. قال الحافظ:"فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ خُصُوصِيَّةِ شَيْءٍ مِنَ الْفَضَائِلِ ثُبُوتُ الْفَضْلِ الْمُطْلَقِ"اهـ.
(قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ:"الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ أنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ خَدِيجَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ وَالْخِلَافُ شَهِيرٌ؛ وَلَكِن الْحَقُّ أَحَقُ أنْ يُتَّبَع". وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:"جِهَاتُ الْفَضْلِ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ مُتَقَارِبَةٌ"؛ وَكَأَنَّهُ رأى التَّوَقُّف. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ:"إِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ فَذَاكَ أَمْرٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّ عَمَلَ الْقُلُوبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ. وَإِنْ أُرِيدَ كَثْرَةُ الْعِلْمِ فَعَائِشَةُ لَا مَحَالَةَ. وَإِنْ أُرِيدَ شَرَفُ الْأَصْلِ فَفَاطِمَةُ لَا مَحَالَةَ؛ وَهِيَ فَضِيلَةٌ لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا غَيْرُ أَخَوَاتِهَا. وَإِنْ أُرِيدَ شَرَفُ السِّيَادَةِ فَقَدْ ثَبَتَ النَّصُّ لِفَاطِمَةَ وَحْدَهَا."قُلْتُ: امْتَازَتْ فَاطِمَةُ عَنْ أَخَوَاتِهَا بِأَنَّهُنَّ مُتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا مَا امْتَازَتْ بِهِ عَائِشَةُ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّ لِخَدِيجَةَ مَا يُقَابِلُهُ وَهِيَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَدَعَا إِلَيْهِ وَأَعَانَ عَلَى ثُبُوتِهِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالتَّوَجُّهِ التَّامِّ فَلَهَا مِثْلُ أَجْرِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهَا وَلَا يُقَدِّرُ قَدْرَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ وَقِيلَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ فَاطِمَةَ وَبَقِيَ الْخِلَافُ بَيْنَ عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ") اهـ (4) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".