عَقْلُك! وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ جَهِلَهُ أَحَدٌ؟ وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْك فَقَالَ: أَيْنَ خَالِدٌ؟ فَقُلْت: يَأْتِي اللهُ بِهِ. فَقَالَ:"مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ! وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ مَعَ الْمُسْلِمينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ". فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا فَاتَك، فَقَدْ فَاتَتْك مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. قَالَ: فَلَمّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشِطْت لِلْخُرُوجِ، وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ وَسَرّنِي مَقَالَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال خالد: فطلبت من أصاحب! فلقيت عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةٍ وعَمْرَو بْنَ العَاصِ فاصطحبنا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمْنَا المدينة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول يوم من صفر سنة ثمان. كَانَ خَالِدٌ أَحَدَ الأُمَرَاءِ بِالشَّامِ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَفَتَحَ بِهَا فُتُوحًا كَثِيرَةً. فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَوَلِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَزَلَ خَالِدًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جُنْدِهِ يَغْزُو. وَكَانَ لَهُ بَلاءٌ وَغَنَاءٌ وَإِقْدَامٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحِمْصَ، وَدُفِنَ فِي قَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنْهَا، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. عَنْ نَافِعٍ قَالَ:"لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمْ يَدَعْ إِلا فَرَسَهُ وَسِلاحَهُ وَغُلامَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ:"يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنَّا بِهِ"."
الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قَدْ أرسل سَرِيَّةً فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ لِغَزْوَةِ مُؤْتَةَ - موضع بالبلقاء من أطراف الشَّامِ، وَأَمَّرَ عليها زيد بن حارثة، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ، فَقُتِلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَة على التَّرْتِيبِ المَذْكُور، فَنَعَاهُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على منبر المدينة قبل أَنْ يُؤْتَى الرَّسُولُ بِخَبَرِهِم، وكانت عيناه آنذاك تسيلان بالدموع ثم قال:"حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"أيْ حتَّى لَمْ يَبْقَ من هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ أَحَدٌ فَقَادَ الجَيْشَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ من غير تَأْمِيرٍ له، لَكِنَّهُ رأى المصلحة فِي ذلك لِكَثْرَةِ العَدُوِّ، فرضي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا فَعَلَ وأَثْنَى عليه، وبَيَّنَ أنَّهُ"سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
هذه المَنْقَبَة العظيمة التي اخْتُصَّ بِهَا خَالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حيث لَقَّبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَيْفِ اللهِ، ومعنى كَوْنِهِ سَيْفًَا مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، أنَّهُ القَائِدُ المُظَفَّرُ الذي يُحَالِفُهُ النَّصْرَ دَائِمًَا، لأنَّهُ يَقَعُ كالسَّيْفِ على رُؤوسِ الأَعْدَاءِ.