بَعْدِي"أي ألا يُرْضِيكَ أَنْ أَجْعَلُكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ حيث كان يَسْتَخْلِفُهُ مُوسَى، ويَجْعَلُهُ نَائِبًَا عنه على أهله وقومه إذا ذهب إلى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ، لما بينهما من القُرْبَى والمناصرة، فكذلك أنت. قال مصطفى البغا فِي تعليقه على الحديث فِي صحيح البُخَارِيّ:"نازلًا مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ فِي أُخُوَةِ الدِّينِ والنَّسَبِ؛"قَالَ الْخطابِيّ: هَذَا إِنَّمَا قَالَه لعَلِيٍّ حِين خرج إِلَى تَبُوكَ وَلَمْ يستصحبه، فَقَالَ: أتخلفني مَعَ الذُّرِّيَّة؟ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى ... إِلَى آخِره، فَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِاسْتِخْلافِ مُوسَى هَارُونَ على بَنِي إِسْرَائِيلَ حِين خَرَجَ إِلَى الطّورِ"اهـ (1) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: فَضْلُ الإِمَامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومكانته العالية عند رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ جَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وشَبَّهَهُ بِهِ فِي القُرْبَى والمناصرة وعُلُوِّ المرتبة فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، ويُوَضِّحُ ذلك حديث البَرَاء عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
ثانيًا: أنَّ هذا الحديث قد تَعَلَّقَتْ به الشِّيْعَةُ فِي أنَّ الخِلافَةَ كَانَتْ حَقًَّا لِعَلِيٍّ أوصى بِهَا إليه فِي قَوْلِهِ:"أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى" (2) . قال النووي:"وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِخْلَافِهِ بَعْدَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِعَلِيٍّ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوك. َ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ هَارُونَ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً بَعْدَ مُوسَى؛ بَلْ تُوُفِّيَ قَبْلَ وَفَاةِ مُوسَى بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ عَلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَالْقَصَصِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ حِينَ ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لِلْمُنَاجَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ (3) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى".
(1) "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": ج 16 ص 218.
(2) قال فِي"شرح النَّووي على مسلم": ج 15 ص 173:"قال القاضي هذا الحديث مِمَّا تعلقت به الرَّوَافِضُ والإمامية وسَائِرِ فرق الشيعة فِي أن الخلافة كانت حَقًَّا لِعَلِيٍّ وأنه وَصَّى بِهَا قال: ثُمَّ اختلف هؤلاء فَكَفَّرَتْ الرَّوَافِضُ سَائِرَ الصَّحَابَةِ فِي تَقْدِيمِهِمْ غيره وزاد بعضهم فكفر عَلِيًَّا لأنه لَمْ يقم فِي طلب حقه بزعمهم وهؤلاء أسخف مذهبا وأفسد عقلا من أَنْ يرد قولهم أو يناظروا. قال القاضي: ولا شك فِي كُفْرِ من قال هذا؛ لأَنَّ من كَفَّرَ الأُمَّةَ كُلَّهَا والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا"