معنى الحديث: كما قال فِي"شرح صفوة البُخَارِيّ" (2) : أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبه حال الأَنْبِيَاء وتتابعهم لِإصلاح البشر واحدًا بعد واحد، حتى تكوَّنَ مما جاءوا به مجموعة إرشادات وتعاليم نافعة، وما شعر به الناس قبل مبعثه من الحاجة إلى مكمل لهذه المجموعة، متمم لمقاصدها؛ بحال بيت وضعت فيه لبنة على لبنة حتى أوشك على التمام وهو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ"أي ولم يبق من ذلك البَيْتِ سوى لبنة واحدة بقي موضعها فارغًا"فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ"أي يدورون حول جدرانه"وَيَعْجَبُونَ لَهُ"أي يستحسنونه، ويمدحونه، ويعجبهم بناؤه، وحسن منظره،"وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟!"وهلّا هنا للتَّحْضِيضِ، والمعنى: ولكننا نحضك ونحثك على وضع هذه اللبنة التي لا يزال مكانها خاليًا ليصبح هذا البناء في غاية الكمال والجمال، كما في رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقولون:"أَلاَّ وَضَعْتَ هَاهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ؟!"أَخْرَجَهُ مُسْلِم؛ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيّينَ"أي فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنِّسبة إلى الأَنْبِيَاء السابقين كاللبنة المُتَمِّمة لذلك البناء، لأنَّ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كمال الشَّرَائِع السَّابقة (3) ، وليس معنى هذا أنَّ الأَدْيَان السَّابقة كانت ناقصة وإِنَّمَا المراد أنَّه وإنْ كانت كل شريعة كاملة بالنِّسبة إلى عصرها إلاّ أنَّ الشَّريعة المحمدية هي الشَّريعة الأكمل والأتم ومعنى كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"خَاتِمُ النَّبِيّينَ"أنَّها لا تحدث نبوة في أحد من البشر بعد ظهوره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتحليه بها.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ شَرِيعَةَ الإِسْلامِ هي أكمل الشَّرَائِع، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قد شَرَعَ فيها من الأحكام مَا لَمْ يكن موجودًا فِي الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ، ووضع فيها من التَّشْرِيعَاتِ ما يتلاءم مع حاجة النَّاسِ ومَصْلَحَةِ البَشَرِ منذ بعثة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، فِي حين أَنَّ الشَّرَائِعَ السَّابِقَةَ وإنْ كَانَتْ مُلائِمَةٌ لِعَصْرِهَا، إلاّ أنَّهَا غير مُلائِمَةٍ للبَشَرِيَّةِ فِي العصور الأخرى، بِخِلافِ دين الإِسلام فَإنَّهُ الدِّينُ المُتَكَامِلُ الذي اشْتَمَلَ على جَمِيعِ الأحكام فِي العِبَادَات والمُعَامَلات والجنايات والأحوال الشَّخْصِيَّةِ والشئُون القضائية والسياسية والعسكرية، ولهذا أوجب الله على أهل الأَدْيَان السابقة جَمِيعًَا اعْتِنَاقَ هذا الدِّينِ، وأخذ عليهم الميثاق باتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ظهوره، وبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ لا دِينَ إلاّ دِينُهُ، ولا شَرِيعَةَ إلاّ شَرِيعَتُهُ حيث قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ فِيكُمْ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي" (4) . وفِي رِوَايَةٍ:"وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي" (5) .