فهرس الكتاب

الصفحة 1947 من 2668

939 -الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا النَّسَائِيّ.

معنى الحديث: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يُحَدِّثُ النَّاسَ عن ظُهُورِ مَلِكٍ قَحْطَانِيٍّ تَدِينُ لَهُ العَرَبُ، ويَخْضَعُ لَهُ المُسْلِمُونَ، ويَلْتَفُّونَ حَوْلَهُ، فَأَنْكَرَ ذلك الخَبَر أَشَدَّ الإِنْكَارِ، وقَالَ:"فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلاَ تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي أَنَّ هذه الأخْبَارِ التي يَتَحَدَّثُ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عن ظُهُورِ مَلِكٍ قَحْطَانِيٍّ ليست صحيحة، لأنّهَا لا تَسْتَنِدُ إلى كِتَابِ اللهِ، ولا يَرْوِيهَا عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَ"أي فاحْذَرُوا أَنْ تَسْتَمِعُوا إلى هذه الأخبار الكاذبة التي لا أساس لها من الصِّحَةِ.

ولَكِنْ مَا تَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هو خَبَرٌ صَحِيحٌ يستند إلى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَوَى أبُو هُرَيْرَةَ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. قال الحافظ:"قَوْلُهُ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلْكِ شَبَّهَهُ بِالرَّاعِي وَشَبَّهَ النَّاسَ بِالْغَنَمِ! وَنُكْتَةُ التَّشْبِيهِ: التَّصَرُّفُ الَّذِي يَمْلِكُهُ الرَّاعِي فِي الْغَنَمِ؛ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَلَمْ يَقَعْ بَعْدُ"اهـ (1) ، ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ"أي إنَّ الخلافة"فِي قُرَيْشٍ"فَهُم أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا،"لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ، إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ"أي لا ينازعهم فيها أحدٌ إلاّ ألقاه الله على وجهه فِي النَّارِ،"مَا أَقَامُوا الدِّين"أي مُدَّةِ إقَامَتِهِم للدِّينِ، وتَمَسُّكِهِم بِسُنَّةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّ الخلافة حقٌّ شَرْعيٌّ لِقُرَيْشٍ مُدَّةَ إقَامَتِهِم لِدِينِ اللهِ، فإذا انْحَرَفُوا عن العدل والصَّواب، وحادوا عن منهج السُّنَّةِ والكتاب، زالت الخلافة من أيديهم، وانتقلت إلى غيرهم فلا وجه لإنكار معاوية لحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، لأنَّهُ لا يتعارض مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ"لأنَّهُ مَشْرُوطٌ بإِقَامَةِ الدِّينِ. قال الحافظ:"وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْخِلَافَةَ لَمْ تَزَلْ فِي قُرَيْشٍ وَالنَّاسُ فِي طَاعَتِهِمْ إِلَى أَنِ اسْتَخَفُّوا بِأَمْرِ الدِّينِ فَضَعُفَ أَمْرُهُمْ وَتَلَاشَى إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الْخِلَافَةِ سِوَى اسْمِهَا الْمُجَرَّدِ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ دُونَ أَكْثَرِهَا"اهـ (2) ، وفِي تاريخ بني الْعَبَّاس أقوى شَاهِدٍ على ذلك حتَّى قَالَ بعض خلفائهم:

أليْسَ مِنَ العَجَائِبِ أنَّ مِثْلِي ... يَرى مَا قَلّ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ

وتُؤخَذُ بِاسْمِهِ الدُّنْيَا جَمِيعًا ... وَمَا مِنْ ذاكَ شيءٌ في يَدَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت