معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِرْصًَا منه على توحيد الله تَعَالَى، وخوفًا على أمته من الشِّرْكِ الذي وقعت فيه الأُمَمْ السَّابِقَةِ، حذَّرها عن الغلو فيه، ومُجَاوَزَةِ الحَدِّ فِي مدحه بنسبة أوْصَافِ اللهِ تَعَالَى وأفعاله الخاصة به إليه. كما غَلَتْ النَّصَارَى فِي المَسِيحِ بوصفه بالألوهية والبُنُوَّةِ للهِ - تَعَالَى اللهُ عمَّا يقولون -، فوقعت فِي الشِّرْكِ كما قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيْل اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّة وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) ."فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ"أي فَصِفُوْنِي بِالعُبُودِيَّةِ والرِّسَالَةِ كما وَصَفَنِي اللهُ تَعَالَى بذلك.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: التَّحْذِيرُ مِنَ الغُلُوِ والإِسْرَافِ فِي المَدْحِ، ومُجَاوَزَةِ الحَدِّ، والمَدْحِ بِالبَاطِلِ، لأنَّ ذلك قد يُفْضِي إلى الشِّرْكِ، وإنْزَالِ العَبْدِ مَنْزِلَةِ الرَّبِّ، وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِهِ، ولذلك قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ".
ثاَنِيًَا: أَنَّ كُفْرَ النَّصَارَى إِنَّمَا كان بسبب غُلُوُّهِم فِي المَسِيحِ والقِدِّيِسِينَ والقِدِّيِسَاتِ من بعده، وقَوْلِهِم فِي عِيسَى إنَّهُ ابْنُ اللهِ، حتَّى أَدَّى بِهِم ذلك إلى تَحْرِيفِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، لكي يَسْتَدِلُّوا بِهَا على صِحَّةِ مَزَاعِمِهِم الباطلة، حتَّى إِنَّ بَعْضَهُم تَجَرَّأ فاسْتَدَلَّ بِآيَةٍ من القُرْآنِ الكَرِيمِ على فَهْمِهِ السَّقِيمِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَظِيمًَا من النَّصَارَى نَاظَرَ عليِّ بن الحُسَيْن بن واقدٍ المَرْوَزِيّ فِي مَجْلِسِ الرَّشِيدِ ذَاتَ يَوْمٍ فقال له:"إنَّ فِي كِتَابِكُم ما يَدُلُّ على أنَّ عِيسَى جُزْءٌ من اللهِ، وتلا قوله تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَرُوحٌ مِنْهُ) يَدُلُّ على أَنَّ عِيسَى جُزْءٌ من اللهِ تَعَالَى بناءً على أنَّ"مِنْ"للتَّبْعِيضِ فقرأ المَرْوَزِيّ قوله تَعَالَى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) وقال: إِذَنْ يَلْزَمُ أنْ تكون جَمِيعُ تلك الأَشْيَاءِ جُزْءًَا مِنَ اللهِ تَعَالَى فانْقَطَعَ النَّصْرَانِيُّ، واقتنع بحجة المَرْوَزِيّ وهَدَاهُ اللهُ للإِسْلامِ فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلامُهُ؛ وفَرِحَ الرَّشِيدُ بذلك فَرَحًَا عَظِيمًَا، وكافأ المَرْوَزِيَّ مكافأةً عظيمةً"اهـ (1) .
ثَانيًا: أنَّ فِي هذا الحَدِيث عِلاقَةٌ مَتينةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عن قَوْلِ عِيسَى: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) فَوَصَفَ نَفْسَهُ بالعُبُودِيَّةِ والنُّبُّوَةِ، وفِي هذا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ على كَذِبِ النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُم أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللهِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ".
(1) "التفسير المنير"ج 1 للشيخ محمد نووي الجاوي.