فهرس الكتاب

الصفحة 1917 من 2668

فَقْدِ النَّصِ، والأَنْبِياءُ، عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَا يَفْقِدُونَ النَّصَّ، فَإِنَّهُم متمكنون من اسْتِطْلاعِ الْوَحْيّ وانْتِظَارِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُم وَبَيْن غَيْرِهم قيام الْعِصْمَة بِهِم عَن الْخَطَأ وَعَن التَّقْصِير فِي الِاجْتِهَاد، بِخِلَافِ غَيْرِهِم"اهـ (1) . إِنَّمَا حكما بالاجتهاد إذْ لَوْ كان بِنَصٍّ لَمَا سَاغَ خِلافَه، وفِي الحديث دَلِيلٌ على اجْتِهَادِ الأَنْبِيَاءِ، وأنَّهُم قَدْ يُخْطِئوُنَ فِي اجْتِهَادِهِم، ولَكِنَّهُم لا يُقِرُّهُم اللهُ على الخَطَأِ، بل يَنْزِلُ الْوَحْيّ ببيانه كَمَا فِي هذه القضية حيث قًالَ عَزَّ وَجَلَّ: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) والمراد بالخطأ مُخَالَفَةِ الوَاقِعِ ونفس الأمر، لا مُخَالَفَةِ الدَّليلِ والبَيِّنَةِ الظَّاهِرَةِ، إذْ لَوْ كان الخطأ الاجتهادي هو مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لَمَا كَانَ صَاحِبُهُ مَعْذُورًَا ومَأْجُورًَا، كما يَدُلُّ عليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ" (2) . فإنّ من خَالَفَ الدَّلِيلَ الظَّاهِرَ، وحَكَمَ بِخَلافِ البَيِّنَةِ الثَّابِتَةِ أَثَمَ ولا شَكّ، وقد حَكَمَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ بِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، فَلا بُدَّ أَنْ يكون أَحَدُهُمَا خطأ: وهو حكم دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، والثَّانِي صَوَابٌ: وهو حُكْمُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ كما قَالَ تَعَالَى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ".

ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ اسْتِعْمَالِ الحِيَلِ فِي الأَحْكَامِ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ فعل ذلك، فقال: ائتونِي بِالسِّكِّين أشقه بينهما تَحَيُّلًا على إظهار الحَقِّ، ولَمْ يعزم على ذلك فِي الباطن، وإِنَّمَا أراد اسْتِكُشَافَ الأَمْرِ، فحصل على مقصوده، وظهر له من قَرِينَةِ شَفَقَةِ الصُّغْرَى وعَدَمِهَا فِي الكُبْرَى أنَّهَا الأُمُّ الحَقِيقِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تكون الكبرى اعْتَرَفَتْ بِالحَقِّ لَمَّا رأت الجِدّ ودِلالَةَ القَرَائِنِ على كَذِبَهَا، فحكم عليها سُلَيْمَانُ بإِقْرَارِهَا، والإِقْرَارُ سَيِّدُ الأَدِلَّةِ.

ثالثًا: فضل سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي العلم والفقه ومعرفة الأحكام الذي اقتضى ثناء الله عليه بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) .

رابعًا: أنَّ سُلَيْمَانَ هو ابْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ"وهو مطابق للآية الكريمة التي ترجم لها البُخَارِيّ حيث قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ) الآية.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ".

(1) "شرح العيني": (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {ووهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أوَّابٌ} ) ج 16 ص 17.

(2) قال فِي"المنتقى من السنن المسندة":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَحْكَامِ"قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الثَّوْرِيِّ غَيْرَ مَعْمَرٍ. وهو نفس ما قَالَهُ الحَافِظُ فِي"إتحاف المهرة":"عن أبِي سلمة، قال ابن الجارود:"لا نعلم أحدا رواه عن الثوري غير مَعْمر"."

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت