لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)! فَأَبْصَرَتْ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ من دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، وانْتَزَعَ اللهُ رُوْحَهَا فألقيت الصَّخْرَة عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِي جَسدهَا روح"اهـ (2) ."
وأما الثَّانِيَةِ: فهي مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ التي ضَرَبَ اللهُ بِهَا المثل فِي حَصَانَتِهَا لِنَفْسِهَا، وكَمَالِ عِبَادَتِهَا.
ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"قِيلَ: إِنَّمَا مَثَّلَ بِالثَّرِيدِ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ طَعَامِ الْعَرَبِ. وَلَا يَرَوْنَ فِي الشِّبَعِ أَغْنَى غَنَاءٍ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمَدُونَ الثَّرِيدَ فِيمَا طُبِخَ بِلَحْمٍ، وَرُوِيَ: سَيِّدُ الطَّعَامِ اللَّحْمُ، فَكَأَنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ اللَّحْمِ عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ جَامِعٌ بَيْنَ الْغِذَاءِ وَاللَّذَّةِ وَالْقُوَّةِ"اهـ (3) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ عُظَمَاءِ الرِّجَالِ والكَامِلِينَ مِنْهُم كَثِيرُونَ على مَرِّ العُصُورِ والأَزْمَانِ، منهم الرُّسُلُ والأَنْبِيَاءُ، أَمَّا الكَامِلاتُ من النِّسَاءِ وفُضْلَيَاتِهِنَّ فإنَّهُنَّ قليلات جِدًَّا، منهن مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.
ثَانِيًَا: اسْتَدَلَّ بعضهم بِهَذَا الحديث على نُبُّوَةِ آسِيَةَ ومَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ:"لأَنَّ أَكْمَلَ النَّاسِ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَوْلِيَاءُ فلو كَانَتَا غير نَبِيَّتَيْنِ لَلَزَمَ أَنْ لا يكون فِي النِّسَاءِ وَلِيَّةٌ ولا صِدِّيقَةٌ"؛ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ:"اسْتَدَلَّ هَذَا الْحَصْرُ عَلَى أَنَّهُمَا نَبِيَّانِ لِأَنَّ أَكْمَلَ الْإِنْسَانِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ؟ فَلَوْ كَانَتَا غَيْرَ نَبِيَّتَيْنِ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي النِّسَاءِ وَلِيَّةٌ وَلَا صِدِّيقَةٌ وَلَا شَهِيدَةٌ غَيْرُهُمَا. فَفَائِدَةُ ذِكْرِهِمَا لِطَرِيقِ الْحَصْرِ اخْتِصَاصُهُمَا بِكَمَالٍ لَمْ يُشْرِكْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهِمْ، أَوْ مِنْ نِسَاءِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ، وَذَلِكَ لِمَا نَقَلَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ النِّسَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: قُلْنَا: الْكَمَالُ فِي شَيْءٍ يَكُونُ حُصُولُهُ لِلْكَمَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالنُّبُوَّةُ لَيْسَتْ أَوْلَى بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الظُّهُورِ وَالدَّعْوَةِ، وَحَالُهُنَّ الِاسْتِتَارُ، فَلَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي حَقِّهِنَّ كَمَالًا، بَلِ الْكَمَالُ فِي حَقِّهِنَّ الصِّدِيقِيَّةُ، وَهِي قَرِيبَةٌ مِنَ النُّبُوَّةِ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ"اهـ (4) .
ثَالِثًَا: فَضْلُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وكَوْنُهُمَا أَفْضَلُ الفُضْلَيَاتِ وأَكْمَلُ الكَامِلاتِ فِي عَصْرِهِنَّ أو فِي سَائِرِ العُصُورِ.
رَابِعًَا: قال قتادة:"كَانَ فِرْعَوْنُ أَعْتَى أَهْلِ الأَرْضِ وأَكْفَرَهُمْ فَوَاللهِ مَا ضَرَّ امْرَأَتُهُ كُفْرَ زَوْجِهَا حِيْنَ أَطَاعَتْ رَبَّهَا ليعلموا أَنَّ اللهَ حَكَمٌ عَدْلٌ لا يُؤَاخِذُ أَحَدًا إلا بِذَنْبِهِ"اهـ (5) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على كَمَالِ آسِيَةَ وَمَرْيَمَ، وهو معنى الآية الكريمة.