فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 2668

فِي ضبط"الدِّينَ"النصب، والتوفيق بَين كلاميهما بِأَن يحمل كَلَام (الْمطَالع) على رِوَايَة المغاربة، وَكَلَام النَّوَوِيّ على رِوَايَة المشارقة"اهـ (3) -أي لا يبالغ أحد في نوافل العبادات، ويتجاوز فيها حدود الشَّريعة والسُّنَّةِ الثَّابتة عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتعدى حدود الطَّاقة البشرية، بحيث لا يدع وقتًا للرَّاحة وأداء حقوق النفس والجسد والزوجة والولد إلا أرهق نفسه، وانقطع في النهاية لسآمته وملله، وكانت النتيجة عكسية، فَإِنَّ لِكُلِّ فِعْلٍ -كما يقول العلماء- رَدُّ فِعْلٍ، وردُّ الفعل الذي يترتب على التَّنَطُّع في الدِّين سَيْءٌ جدًا، لأنَّه يؤدي حتمًا إلى ترك العبادة"اهـ. وقد ذَمَّ الله أقوامًا شددوا على أنفسهم، وحبسوها في الصَّوَامِع، رهبانية ابتدعوها، وذمهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونَهَى أُمَّتَهُ أنْ يُشَدِّدُوا على أنفسهم، ويصنعوا صنيعهم، فقال:"لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ والدِّيَار (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا(4) مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)"رواه أبو داود (5) . وأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديث بالاقتصاد والتَّوَسُّطِ في العبادة حيث قال:"فَسَدِّدُوا"، وهو أمر بالسِّداد، أي بالتَّوَسُّطِ والاعتدال في الأعمال دون إفراط ولا تفريط، كما قال الشاعر:

خَيْرُ الأمُورِ الوَسَطُ الوَسِيطُ ... وَشرُّهَا الإفْرَاطُ والتَّفْرِيطُ

ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَقَارِبُوا"أي إذا لم تستطعوا الإِتيان بالأفضل من النَّوافل والطاعات والإتيان بها جميعًا، فأتوا بما يقارب الأفضل، لأنَّ ما لا يدرك كله، لا يترك جله. فمن لم يستطع أنْ يصوم يومًا ويفطر يومًا - الذي هو أفضل الصِّيام، فليأت بما يقارب ذلك، كصيام ثلاثة أيام من كل شهر. ومن لم يستطع ذلك فليصم يوم عاشوراء ويوم عرفة، وستة أيام من شوال.

"وَأَبْشِرُوا"أي ولا تَظُنُّوا أنَّ القليل من العبادة لا ينفع بل أبشروا بحسن القبول متى حسن العمل وخلصت النِّيَّة، فإنَّ العبرة بالكيف لا بالكم.

"وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ"بفتح الغين المعجمة، وهي السير أول النهار إلى الزوال."وَالرَّوْحَةِ"بفتح الراء، وهي السَّيْرُ بعد الزَّوال إلى الليل."الدُّلْجَةِ"بضم الدَّال وإسكان اللام كذا جاءت الرِّوَايَة ويجوز فتحها وهي السَّيْرُ آخر الليل (6) . وقد استعار هذه الأوقات الثَّلاثَة لأوقات النَّشَاطِ. أي واستعينوا على أداء هذه العبادات والصَّلوات بفعلها في أوقات النَّشَاطِ وفراغ القلب للطَّاعَةِ، ولا تشغلوا بالعبادة كُلَّ أوقاتكم لئلا تسأموا فتنقطعوا عنها بالكلية. فينبغي للعبد إذا أراد المداومة على العمل - وأحَبُّ العمل إلى الله عَزَّ وَجَلَّ وإلى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أدْوَمُهُ، وإنْ قَلَّ-؛ أنْ يختار للعبادة بعض الأوقات المناسبة كوقت الصباح وبعد الزَّوال وساعة من آخر الليل.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: يُسر هذا الدِّين، وسهولة أحكامه، وملاءمته للفطرة الإِنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت