"وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ الِالْتِجَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي حِمَايَتِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْتَجَأَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَظْهَرَ لِلْأَضْيَافِ التَّأَلُّمَ وَضِيقَ الصَّدْرِ"اهـ (2) . ثُمَّ تَحَدَّثَ عن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَوَصَفَهُ كما قال البغوي:"بِالأَنَاةِ والصَّبْرِ حيث قَالَ: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) فَإِنَّهُ أَرَادَ أنْ لا يَخْرُج من السِّجْنِ حتَّى تَظْهَرَ بَرَاءَتُهُ؛ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَدْحِهِ والثَّنَاءِ عليه:"وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ"أي لأَسْرَعْتُ إلى الإِجَابَةِ، قال ذلك إعْجَابًَا بِصَبْرِ يُوسُفَ وقُوَّةِ عَزِيمَتِهِ. وهو من بَابِ تَوَاضُعِ العُظَمَاءِ الذين لا يزيدهم تَوَاضُعُهُم إلاّ رِفْعَةً وعُلُّوًا وإلا فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَثَلُ الأَعْلَى فِي الصَّبْرِ والثَّبَاتِ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: نَفْيُ الشَّكِّ عن إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ودَفْعِ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ من أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) شَكًَّا منه فِي قُدْرَةِ اللهِ.
ثَانِيًَا: صَبْرُ يُوُسُفَ وَأنَاتِهِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ".
(1) "عمدة القاري": قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:"وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ"ج 15 ص 267.
(2) "شرح النووي على مسلم":"باب زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الْأَدِلَّةِ"ج 2 ص 185.