فهرس الكتاب

الصفحة 1884 من 2668

معنى الحديث: أَنَّ رَجُلَيْنِ من أصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَاصَمَا وتَشَاتَمَا وسَبَّ كُلٌّ مِنْهُما الآخَر واشْتَدَّ بِأَحَدِهِمَا الغَضَبُ، وظَهَرَتْ آثَارُهُ عليه،"فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ"؛ ورأى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما وقع له من شِدَّةِ الغَضَبِ فَقَالَ لأَصْحابه: لو قال كلمة واحدة لاسْتَرَاحَ وهَدَأَتْ نفسه وهي أَعُوذُ باللهِ من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لأَنَّ الغَضَبَ نَزْعَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ تُخْرِجُ الإِنْسَانَ عن حالته العادية. قال الزرقاني:"أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَةً فِي الْإِنْسَانِ، مَهْمَا قُصِدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا؛ اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِنَ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ غَضِبَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ، فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ حُزْنًا. وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةُ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجُ الْأَفْعَالِ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ. وَاسْتِحَالَةُ الْخِلْقَةِ، حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ، لَكِنَّ غَضَبَهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ وَتَغَيُّرِ الْبَاطِنِ وَقُبْحِهِ - أَشَدُّ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ حِقْدَ الْقَلْبِ وَالْحَسَدِ وَإِضْمَارَ السُّوءِ وَمَزِيدَ الشَّمَاتَةِ وَهَجْرَ الْمُسْلِمِ وَمُصَارَمَتَهُ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَالِاسْتِهْزَاءَ وَالسُّخْرِيَةَ وَمَنْعَ الْحُقُوقِ، بَلْ أَوَّلُ شَيْءٍ يَقْبُحُ مِنْهُ - بَاطِنُهُ، وَتَغَيُّرُ ظَاهِرِهِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ بَاطِنِهِ، هَذَا كُلُّهُ أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ."

وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ غَضَبِهِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، فَإِنْ فَاتَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَهُ وَيَلْطُمُ خَدَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا، وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَا جَرِيمَةَ لَهُ فِيهِ"اهـ (2) ."

فإذا اسْتَعَاذَ العَبْدُ بالله واعْتَصَمَ به، حَمَاهُ من الشَّيْطَانِ، ومنعه من التَّسَلُّطِ عليه"فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ!"؛"فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ؟!"قال النَّوَوِيّ:"هَذَا كَلَام من لَمْ يتفقه فِي دين اللهِ وَلَمْ يتهذب بأنْوَارِ الشَّرِيعَة المكرمة. وَلَمْ يَعُرِفْ أَنَّ الْغَضَبَ نَزْغٌ من نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وتَوَهَّمَ أَنْ الِاسْتِعَاذَةَ مُخْتَصَّةٌ بالمجانين"اهـ (3) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أَنَّ أَقْوَى عِلاجٍ لتَسْكِينِ الغَضَبِ والقضاء عليه الاستعاذة باللهِ من الشَّيْطَانِ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، وعزيمة قوية، ويقين وإخلاص، لأَنَّ الغَضَبَ نَزْعَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ شِرِّيرَة، والاستعاذة أقوى سلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت