ـــــــــــــــــــــــــــــ
910 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ وابْن مَاجَة.
معنى الحديث: كما أخبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ:"الحُمَّى مِنْ فَيْحِ (1) جَهَنَّمَ"وَهِيَ طَاقةٌ حَرَارِيَّةٌ مَنْشَأهَا من نَارِ جَهَنَّمَ. فاللَّهَبُ الحَاصِلُ فِي جِسْمِ المَحْمُومِ -كما قال الزَّرقانيُّ-: (قِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ، شَبَّهَ اشْتِعَالَ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ فِي كَوْنِهَا مُذِيبَةً لِلْبَدَنِ وَمُعَذِّبَةً لَهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلنُّفُوسِ عَلَى شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قَالَ الطَّيْبِيُّ:"مِنْ"لَيْسَتْ بَيَانِيَّةً حَتَّى تَكُونَ تَشْبِيهًا كَقَوْلِهِ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، فَهِيَ إِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيِ الْحُمَّى نَشَأَتْ وَحَصَلَتْ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ بَعْضٌ مِنْهَا، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا فِي الصَّحِيحِ:" «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ» "، فَكَمَا أَنَّ حَرَارَةَ الصَّيْفِ أَثَرٌ مِنْ فَيْحِهَا، كَذَلِكَ الْحُمَّى) اهـ (2) ،"فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ"بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وضم الرَّاء على المشهور (3) ، أي خَفِّفُوا من حَرَارَتِهَا باسْتِعْمَالِ المَاءِ البَارِدِ شُرِبَا وغَسْلًا للأَطْرَافِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: قال الزَّرْقَانِيُّ:"الْحُمَّى هِيَ حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ، وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَهِيَ قِسْمَانِ: عَرَضِيَّةٌ، وَهِيَ الْحَادِثَةُ عَنْ وَرَمٍ، أَوْ حَرَكَةٍ، أَوْ إِصَابَةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، أَوِ الْقَبْضِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهَا، وَمَرَضِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَتَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسَخِّنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْمٍ، لِأَنَّهَا تُقْلِعُ غَالِبًا فِي يَوْمٍ، وَنِهَايَتُهَا إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، فَهِيَ حُمَّى دَقٍّ، وَهِيَ أَخْطَرُهَا، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَخْلَاطِ، سُمِّيَتْ عَفَنِيَّةً، وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ"اهـ (4) .
ثَانِيًَا: تَخْفِيفُ الحُمَّى بالمَاءِ البَارِدِ، وذلك بشربه وغسل الأطراف به؛ قال ابن القيم:"فَخِطَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الحِجَازِ، وما وَالَاهُمْ، إِذْ كَانَ أَكْثَرُ الْحُمِّيَّاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ نَوْعِ الْحُمَّى الْيَوْمِيَّةِ الْعَرَضِيَّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدَّةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا"اهـ (5) .
ثَالِثًَا: فِي الحَدِيثِ وَصْفٌ لنَارِ جَهَنَّم وَشِدَّةِ حَرَارَتِهَا، وكَوْنِهَا مَخْلُوقَة الآن لأَنَّهَا لَوْ لَمْ تكن موجودة الآن كيف تكون الحُمَّى نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِهَا؟!