ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ"أي أردنا أن نتأكد من نبوتك، فإن كنت كاذبًا تموت بذلك السُّمّ فنستريح منك،"وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ"وإنْ كُنْتَ صَادِقًا لا يَضُرَّكَ ذلك السُّمّ، ولا يؤذيك."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ المُعَاهِدَ إذا نقض العهد فإنَّ الإِمام مُخَيَّرٌ فيه إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وإنْ شَاءَ لم يَقْتُله، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يأمر بقتل اليهودية من أول الأمر حين اكتشف أنَّها وضعت له السُّمّ ونَقَضَتِ العَهْدَ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (2) ، وقال ابن قدامة:"وَمَنْ حَكَمْنَا بِنَقْضِ عَهْدِهِ مِنْهُمْ، خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ الْقَتْلُ، وَالِاسْتِرْقَاقُ، وَالْفِدَاءُ، وَالْمَنُّ، كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ قَدَرْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، وَلَا شُبْهَةِ ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ اللِّصَّ الْحَرْبِيَّ"اهـ (3) .
ثانيًا: أَنَّ الإِمَام مَالِكًا احْتج بِهِ على أَنَّ الْقَتْل بالسُّمِّ كَالْقَتْلِ بِالسِّلَاحِ الَّذِي يُوجِبُ الْقَصَاصَ لأَنَّهُ لمَّا مَاتَ بِشْرُ ابنِ البَرَاءِ من هذه الشَّاةِ المَسْمُومَةِ سَلَّمَ اليَهُودِيَّةِ لأَوْلِيَائِهِ فَقَتَلُوهَا قَصَاصًَا، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ:"لَا قَصَاصَ فِيهِ، ولكن فيه الدِّيَةِ"اهـ (4) ؛ قال فِي"المبسوط":"قُلْتُ: أَرَأَيْت من قتل فِي الْمصر بسلاحٍ: هَل يُغَسَّل؟ قَالَ: إِذا قُتِلَ مَظْلُومًَا فَهُوَ بِمَنْزِلَة الشَّهِيد وَلَا يغسل. قلت: فَمَنْ قتل مَظْلُومًَا فِي الْمصر بِغَيْر سلَاحٍ؟ قَالَ: هَذَا يُغَسَّلُ وَلَا يشبه هَذَا عِنْدِي الَّذِي يُقَتْلُ بِالسِّلَاحِ أَو فِي الْحَرْبِ أَلا تَرَى أَنَّهُ لَا قَصَاصَ فِيهِ؛ وَأَنَّ على عَاقِلَةِ قَاتِلِهِ الدِّيَةُ"اهـ (5) .
ثالثًا: فِيه معْجزَةً ظَاهِرَةً لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ لَمْ يُؤثِّر فِيهِ السُّمُّ، وَالَّذِي أكل مَعَه مَاتَ. وَأَنَّ السُّمَّ لَا يُؤثر بِذَاتِهِ بل بِإِذن الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، ومشيئته، ألاَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُؤثِّر فِي النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَلَو كَانَ يُؤثِّرُ بِذَاتِهِ لأَثَّرَ فِيهِ، وَاللهُ أَعْلَم.
ومطابقته للتَّرْجَمَة: من حَيْثُ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ من أهْلِ خَيْبَرَ غَدَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَهْدَوْا لَهُ على يَدِ امْرَأَةٍ شَاةً مَسْمُومَةً فنقضوا بذلك العهد؛ فَعَفَا عَنْهَا (6) .
(1) قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) :"وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الْيَهُودِيَّةُ الْفَاعِلَةُ لِلسُّمِّ اسْمُهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيِّ رَوَيْنَا تَسْمِيَتَهَا هَذِهِ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ. وَعَنْ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتلها وفِي رواية بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَهَا إِلَى أَوْلِيَاءِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ وَكَانَ أَكَلَ مِنْهَا فَمَاتَ بِهَا فَقَتَلُوهَا"اهـ.
(2) "الإفصاح عن معاني الصحاح"ج 2.