فهرس الكتاب

الصفحة 1830 من 2668

مَشْرُوعِيَّةُ أَخْذِ الجِزْيَةِ من أهْلِ الذِّمَّةِ عَامَّةً، سَوَاءٌ كانوا يَهُودًَا أو نَصَارَى، أو مَجُوسًَا - وهم عَبَدَةُ النَّارِ -، لشهادة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وقد اختلف فِي ذلك أهْل العلم: قال القرطبي فِي تفسير"سورة التوبة": ("حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ": إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ لَا يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ مَنْعَ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ". قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَكُلُّ مَنْ دَانَ وَدَانَ آبَاؤُهُ، أَوْ دَانَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدِنْ آبَاؤُهُ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيَّ كِتَابٍ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَخَالَفَ دِينَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَعَلَى الْإِمَامِ إذَا أَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ، وَهُوَ صَاغِرٌ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا"اهـ(2) . وذهب أَبُو حَنِيْفَةَ:"إلى أنَّها تُؤخَذُ من كُلِّ كَافِرٍ إلاّ مُشْرِكِي العَرَب". قال فِي"المبسوط":"وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ يَهُودَ تَيْمَاءَ، وَوَادِي الْقُرَى، وَكَذَلِكَ مِنْ بَهْزٍ، وَتَنُوخِ، وَطِيء وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يُوَظِّفَ الْجِزْيَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَعَّفَةِ، وَقَالَ هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ، وَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ. فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ فَعِنْدَنَا يَجُوزُ ذَلِكَ"اهـ (3) . وقال مَالِكٌ:"تُؤخَذُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ مُطْلَقًَا". قال فِي"بداية المجتهد":"فَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَمِنَ الْمَجُوسِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِهَا مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ، وَفِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِيمَا حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَشِيٍّ كِتَابِيٍّ"اهـ (4) ."

وقال ابن قدامة: (مَسْأَلَةٌ: قَالَ(وَلَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ، إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الَّذِينَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ صِنْفَانِ، أَهْلُ كِتَابٍ، وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ، كَالسَّامِرَةِ يَدِينُونَ بِالتَّوْرَاةِ، وَيَعْمَلُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا خَالَفُوهُمْ فِي فُرُوعِ دِينِهِمْ. وَفِرَقِ النَّصَارَى مِنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ، والنسطورية، وَالْمَلْكِيَّةِ، وَالْفِرِنْجِ وَالرُّومِ، وَالْأَرْمَنِ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ دَانَ بِالْإِنْجِيلِ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّابِئِينَ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يُسْبِتُونَ، فَهَؤُلَاءِ إذَا أَسْبَتُوا فَهُمْ مِنْ الْيَهُودِ"؛ وقال أيْضًا:"أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى زَمَنِنَا هَذَا، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالِفٍ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت