فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 2668

بِلالٌ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. تُوُفِّيَ سيدنا بِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدِمَشْقَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَدُفِنَ عِنْدَ الْبَابِ الصَّغِيرِ فِي مَقْبَرَةِ دِمَشْقَ؛ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.

الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، والتِّرْمِذِيّ.

معنى الحديث: يقول أبو ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"سَابَبْتُ رَجُلًا"أي تخاصمت مع رجل - وهو بلال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَشَتَمْتُه"فَعَيَّرْتُهُ بأمِّهِ"حيث قلت له: يا ابن السَّوْدَاء، وخالفت بذلك شريعة الإْسلام، التي لا تفرق بين لونٍ ولونٍ، ولا تُفَضِّل إنسانًا على آخر إلّا بالتَّقْوى كما قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وكما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" (4) ."فَقَالَ لي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا أَبَا ذَرٍ أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ؟!"وهذا استفهام إنكاري (5) تعجبي، أي كيف تعيبه بِسَوَادِ أُمِّهِ، وتستنقصه بذلك، وأنت تعلم أنَّ الإِسلام لا يميز بين النَّاس بالألوان، وإِنَّمَا يفاضل بينهم بالتَّقوى والعمل الصَّالِح"إِنَّكَ امْرؤ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ"أي إنَّ ما فعلته معه من تعييره بِسَوَادِ أُمِّهِ نَعْرَةٌ جَاهِلِيَّةٍ، وأثَرٌ من آثار التَّمْيِيزِ العُنْصُرِيِّ الذي كان موجودًا قبل الإِسْلامِ."

"إِخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ" (6) أي إِنَّ هؤلاء الخَدَم ليسوا في الحقيقة سوى إخوانكم في الدِّين أو الإِنْسَانِيَّةِ سخرهم الله لكم حيث"جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أْيدِيْكُمْ"أي تحت سلطتكم وطوع أمركم"فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ"أي وما داموا إخوة لكم، فإنَّ عاطفة الأخوة تقتضي منكم حسن معاملتهم، والرِّفْق بهم ومراعاة مشاعرهم، وتوفير العيش الكريم لهم، وإطعامهم من طعامكم وإلباسهم من لباسكم."ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبْهُم"أي ولا تكلفوهم من الأعَمَالِ الشَّاقَّةِ ما لا يطيقونه، ولا يقدرون عليه."فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأعينُوهُمْ"أي فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ من العمل ما يشق عليهم فيجب عليكم إعانتهم عليه ومساعدتهم.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أنَّ مُرْتَكِبَ المعصية لا يَكْفُر، كما ترجم له البُخَارِيّ، لأَنَّ تعيير المَرْءِ بأُمِّهِ معصية، ومع ذلك لَمْ يُسَمِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفْرًَا، كما نَبَّهَ عليه ابن بطال، والظَّاهر من كلامه وكلام العيني أنَّ تَعْيِيرَ المَرْءِ بأُمِّه كبيرة.

ثانيًا: أنَّ من محاسن الإِسْلام إلغاء التَّمْيِيزِ العُنْصِرِيِّ الذي كان في الجاهلية.

والمطابقة: فيِ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسِّم تَعْيِير المَرْء بِأُمِّهِ كُفْرًا، مع أنَّهُ كَبِيرَةٌ.

(1) بفتح الياء وضم الفاء كما أفاده القَسْطَلانِيّ، ويجوز ضم الياء وفتح الياء والفاء المشددة المفتوحة، كما ذكره الحافظ.

(2) قال في"جامع الأصول":"أخرجه البُخَارِيّ تعليقا في العلم:"باب العلم قبل القول العمل"؛ وقال الحافظ في «الفتح» (1/ 194) : هذا التَّعليق رويناه موصولًا في مسند الدَّارِمِيّ وغيره من طريق الْأَوْزَاعِيّ حدثني أبو كثير - يعني مالك بن مرثد -"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت