وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ فِدَاءِ الأَسِيرِ المُشْرِكِ، وهو أَخْذُ المَالِ مِنُهُ مُقَابِلَ إِطْلاقِ سَرَاحِهِ، أو إِطْلاقِ أَسِيرٍ مُسْلِمٍ بَدَلًا عنه، قال فِي"الإفصاح":"اتِّفَقُوا على أَنَّ الإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الأُسَارَى بَيْنَ القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ، واختلفوا: هل هو مُخَيَّرٌ فيهم بَيْنَ الفِدَاءِ، والمَنِّ، وعَقْدِ الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: هو مُخَيَّرٌ فيهم أَيْضًَا بَيْنَ الفِدَاءِ بِالمَالِ وَبِالأُسَارَى وبَيْنَ المَنِّ عليهم"اهـ. وأَمَّا الأحْنَاف فقالوا كما فِي"مرقاة المفاتيح":"قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: وَحُكْمُ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ عِنْدَنَا الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ، وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ الْمَذْكُورَانِ فِي الْآيَةِ فَمَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ؛ لِأَنَّ سُورَةَ"بَرَاءَةٌ"مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَنِّ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلِ وَيُسْتَرَقُّوا، أَوْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ فَيُخَلُّوا بِقَبُولِهِمُ الْجِزْيَةَ. وَبِالْفِدَاءِ أَنْ يُفَادَى بِأَسَارِيهِمْ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مَذْهَبًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ الْمَشْهُورُ؛ أَنَّهُ:"لَا يَرَى فِدَائَهُمْ لَا بِمَالٍ وَلَا بِغَيْرِهِ لِئَلَّا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا". وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ: الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ"اهـ (1) ."
وأَمَّا عَقْدُ الذِّمَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ وأَبُو حَنِيْفَةَ:"هو مُخَيَّرٌ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ عليهم"، وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ:"ليس له ذلك لأنَّهُم قد مُلِكُوا". قال القُرْطبي:"وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ تُخْشَى مَضَرَّتُهُ بِالْحَرْبِ أَوِ الرَّأْيِ أَوِ الْمَالِ فَهَذَا إِذَا أُسِرَ يَكُونُ الْإِمَامُ فِيهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْقَتْلُ أَوِ الْمَنُّ أَوِ الْفِدَاءُ أَوِ الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ عَقْدُ الذِّمَّةِ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ"اهـ (2) .
" (خَاتِمَةٌ) :"قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَصْلِهَا وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَدْيَانَهُمْ، وَحِلَاهُمْ فَيَتَعَرَّضُ لِسِنِّهِ أَهُوَ شَيْخٌ أَمْ شَابٌّ وَلِلَوْنِهِ مِنْ شُقْرَةٍ، وَسُمْرَةٍ، وَغَيْرِهِمَا وَيَصِفُ وَجْهَهُ، وَلِحْيَتَهُ، وَجَبْهَتَهُ، وَحَاجِبَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَشَفَتَيْهِ وَأَنْفَهُ وَأَسْنَانَهُ وَآثَارَ وَجْهِهِ إنْ كَانَ فِيهِ آثَارٌ، وَيَجْعَلُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَضْبِطُهُمْ لِمَعْرِفَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَمَنْ مَاتَ وَمَنْ بَلَغَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ، وَلِيُحْضِرَهُمْ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَالشَّكْوَى إلَيْهِ مِمَّنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ مِنَّا وَمَنْ يَتَعَدَّى مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرِيفُ لِلْفَرْضِ الثَّانِي ذِمِّيًّا لَا لِلْأَوَّلِ إذْ لَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ"اهـ (3) ."
ثانيًا: أنَّهُ لا مُحَابَاةَ فِي الأحْكَامِ الشَّرْعِيّةِ، ولذلك سَاوَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين عَمِّهِ الْعَبَّاسَ وغيره فِي أَخْذِ الفِدَاءَ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ دَلِيلًا على التَّرْجَمَةِ.
(1) "مرقاة المفاتيح":"كتاب الصوم"ج 4 ص 1370.