فهرس الكتاب

الصفحة 1783 من 2668

جَهَازِهَا قَدَّمَ لَهَا حَمُوهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو زَوْجِهَا بَعِيرًا، فَرَكِبَتْهُ، وَأَخَذَ قَوْسَهُ وَكِنَانَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا نَهَارًا يَقُودُ بِهَا، وَهِيَ فِي هَوْدَجٍ لَهَا. وَتَحَدَّثَ بِذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا حَتَّى أَدْرَكُوهَا بِذِي طُوًى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَالْفِهْرِيُّ، فَرَوَّعَهَا هَبَّارٌ بِالرُّمْحِ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا- فِيمَا يَزْعُمُونَ- فَلَمَّا رِيعَتْ طَرَحَتْ ذَا بَطْنِهَا، وَبَرَكَ حَمُوهَا كِنَانَةُ، وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا يَدْنُو مِنِّي رَجُلٌ إلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا، فَتَكَرْكَرَ النَّاسُ عَنْهُ"اهـ (1) ."ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ"قبل السَّفَرِ"فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا"أي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عن رأيه، ونَهَاهُم عن قَتْلِهِمَا حَرْقًا، لأَنَّ الحَرْقَ للهِ وَحْدَه."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّه يُسَنُّ التَّوديع عند السَّفَر فيستحب للمسافر أنْ يودع أكابر أهل بلده، وأقاربه وأصحابه.

ثانيًا: النَّهْي عن القَتْلِ حَرْقًا فِي الحُدُودِ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيّ وأَبِي حَنِيْفَةَ وعطاء وغيرهم (2) . وذهب مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إلى أنَّ مَنْ حَرَّقَ يُحَرَّقُ. قال فِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِي:"وَقَوْلُهُ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) صَحِيحٌ إِذَا لَمْ يُحْرِقْ، فَإِنْ حَرَقَ حُرِقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ الْقُرْآنِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ:"إنْ طَرَحَهُ فِي النَّارِ عَمْدًا طُرِحَ فِي النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ"، وَذَكَرَهُ الْوَقَارُ (3) فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ"اهـ (4) . وقال فِي"الْمُغْنِي":"وَإِنْ حَرَّقَهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُحَرَّقُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» . وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، كَالتَّغْرِيقِ؛ إحْدَاهُمَا، يُحَرَّقُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ «حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» (5) . وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحْرَقِ"اهـ (6) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ".

(1) "سيرة ابن هشام ت السقا": (مَا أَصَابَ زَيْنَبَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ خُرُوجِهَا وَمَشُورَةُ أَبِي سُفْيَانَ) ج 1 ص 654.

(2) قالوا: لا يقتل إلا بالسَّيْفِ كما فِي"شرح العيني": (بابٌ إذَا قَتَلَ بِحَجَرٍ أوْ بِعَصًا) ج 24 ص 39.

(3) الوقار (كسحاب) : لقب زكريا بن يحيى بن إبراهيم الفقيه المصري، أخذ عن ابن القاسم وابن وهب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت