معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ فِي هذا الحديث بِغَزْوِ الامبراطورية الرُّومَانِيَّةِ مَرَّتَيْنِ، وفِي مَعْرَكَتَيْنِ: الأوْلَى: مَعْرَكَةٌ بَحَرِيَّةٌ أخبر عنها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:"أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا"أي أوّل مَعْرَكَةٍ بَحَرِيَّةٍ يغزو فيها المُسْلِمُونَ دَوْلَةَ الرُّوْمِ يكونون قد فازوا فيها بالشَّهَادَةِ، واسْتَحَقُّوا الجَنَّةَ. وهذه المعركة هي غزوة قُبْرُس التي غزى فيها عُثْمَانُ بْن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جزيرة قُبْرُس فِي البحر الأبيض المتوسط فِي السَّنَةِ الرَّابعة والعشرين من الهجرة."قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ» "فبشَّرها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاشتراك فِي هذه الغَزْوَةِ البَحَرِيَّةِ، وقد تَحَقَّقَتْ هذه البُشْرَى فاشتركت أُمُّ حَرَامٍ فِي هذه المعركة، فلما رجعت وقعت من دابتها، فَانْدَّقَتْ عنقها، ومَاتَتْ شَهِيدَةً فِي سبيل الله.
أمَّا المعركة الثَّانية فهي معركة القُسْطَنْطِينِيَّة، وهي أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَا فيها المُسْلِمُونَ هذه المدينة، وفِي هذا يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ"أي يغزو القُسْطَنْطِينِيَّةَ التي هي أكبر مُدُنِ الرُّوُمِ، وعاصمة مُلْكِهِم لأَوَّلِ مرة، وذلك في خلافة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، واشترك فِي هذه الغزوة بَعْضُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين شهد لهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمغفرة فِي قوله:"مَغْفُورٌ لَهُمْ"قالت أم حرام:"فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ» "لأنَّها ماتت فِي غَزْوَةِ قُبْرُس.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: إخْبَارُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن غزو المُسْلِمين للرُّوُمِ فِي مَعْرَكَةٍ بَحَرِيَّةٍ تَدُورُ رَحَاهَا فِي البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ وهِيَ غَزْوَةُ قُبْرُسٍ، وتبشيره لِمَنْ قُتِلَ فيها بالشَّهَادَة والجَنَّة، ومِنْهُم أُمُّ حَرَامٍ (2) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
ثانيًا: تَبْشِيرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمُسْلِمِينَ بِأَوَّلِ غزوة يقومون بِهَا لمدينة القُسْطَنْطِينِيَّة وقتالهم للرُّوُمِ فِي عُقْرِ دَارِهِم، وعاصمة امبراطوريتهم، وقَدْ تَحَقَّقَ ذلك فِي عهد يزيد بن معاوية، حيث غزا المُسْلِمُونَ عَاصِمَةَ الرُّوُمِ بِجَيْشٍ يضم جَمَاعَةً من أَعْلامِ الصَّحَابَةِ منهم ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبَّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ؛ وأبُو أيْوُبَ الأَنْصَاريّ الذي تُوُفِيَ فِي القُسْطَنْطِينِيَّة ودُفِنَ عند سُوْرِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أجْمَعِينَ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ".