فهرس الكتاب

الصفحة 1753 من 2668

الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.

معنى الحديث: أَنَّ الهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إلى المدينة كانت وَاجِبَةٌ قبل فَتْحِ مَكَّةَ، لأنَّهَا كانت دَارَ كُفْرٍ، فلما فُتِحَتْ نُسِخَ وُجُوبُها، وهو معنى قوله:"لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ"أي لَمْ تعد الهِجْرَةُ وَاجِبَةً من مَكَّةَ بعد فتحها"وَلَكِنْ جِهَادٌ"أي ولكن الفريضة الباقية الدَّائِمَة إلى يوم القيامة هي الجهاد في سبيل الله"وَنِيَّةٌ"قال الحافظ: (وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ إِلَّا أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ بَاقِيَةٌ وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ وَالنِّيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ:"وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"قَالَ النَّوَوِيُّ:"يُرِيد أَن الْخَيْر الَّذِي انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ؛ وَإِذَا أَمَرَكُمُ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ") اهـ (1) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أَنَّ الهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ كانت واجبة قبل الفتح، لأَنَّ مَكَّةَ كانت دار كفر وحرب، فلما فتحت انقطع وُجُوبَ الهِجْرَةِ منها، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ"فإنَّه ليس المراد نفي وُجُوبِ الهِجْرَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَقْدَانِ الْقُرَشِيِّ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» (2) ؛"أَيْ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ فَالْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ مِنْهَا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَخَشِيَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَى دِينِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ أَنْ لَا يَبْقَى فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَنْقَطِعُ لِانْقِطَاعِ مُوجِبِهَا. قَالَ بن الْعَرَبِيِّ: الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَار الْإِسْلَام وَكَانَت فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَالَّتِي انْقَطَعَتْ أَصْلًا هِيَ الْقَصْدُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ"اهـ (3) .

ثانيًا: أَنَّ الجِهَادَ يَتَعَيْنُ عند اسْتِنْفَارِ الإِمَامِ.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".

(1) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ) ج 6 ص 39.

(2) قال فِي"صحيح ابن حبان محقَّقًا":"إسناده صحيح. عمرو بن عثمان: هو الحمصي، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، ووثقه النسائي وأبو داود والمؤلف، ومسلمة بن القاسم، قال أبو حاتم: صدوق، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير عبد الله بن العلاء بن زبر، فمن رجال البخاري. ج 11 ص 207."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت