لِإعلاء كلمة الله، لا لأيِّ غَرَضٍ من الأغراض الأخرى، فإنْ كان لغرض آخر، من وطنية أو قومية، أو عصبية، فإنَّه ليس جهادًا!
"قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟"أي ثُمَّ ما هو العمل الذي يأتي بعد الجهاد في الأفضلية؟"قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» "وهو الحج الخالص لوجه الله تعالى (1) ، المقبول عنده، لخلوصه من الرِّياء والسُّمْعة والمال الحرام، وقد قُدِّمَ الجِهَادُ على الحَجِّ في هذه الرِّوَايَة، كما قُدِّمَ الحَجِّ في رواية أخرى، والتَّقْدِيم والتَّأْخِير بحسب اختلاف الظُّرُوف والأحوال، فَقَدَّمَ الجهاد في أَوَّلِ الإِسْلامِ لحاجتهم إليه، ثُمَّ قُدِّمَ الحَجَّ بعد ذلك لأنَّه فَرْضُ عَيْنٍ، والجهاد فَرْضُ كفاية.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: اسْتَدَلَّ به البُخَارِيّ على أنَّ العمل ركنٌ من أركان الإِيمان، كما أنَّ القول باللسان والتَّصْديق بالقلب ركنان منه لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سُئِلَ فِي هذا الحديث عن أفضل الأعمال، أَجَابَ بأنَّ أفضل الأعمال، إيِمان بالله ورسوله، فَدَلَّ ذلك على أنَّ الإِيمان عمل، كما أنَّه تَصْديقٌ وقولٌ. قَالَ العَيْنِيُّ:"إِن إِطْلَاق الْعَمَل على الْإِيمَان صَحِيح، من حَيْثُ إِن الْإِيمَان هُوَ عمل الْقلب، وَلَكِن لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْعَمَل من نفس الْإِيمَان؛ وَقصد البُخَارِيّ من هَذَا الْبَاب وَغَيره إثْبَاته أَن الْعَمَل من أَدَاء الْإِيمَان ردًا على من يَقُول: إِن الْعَمَل لَا دخل لَهُ فِي مَاهِيَّة الْإِيمَان، فَحِينَئِذٍ لَا يتم مَقْصُوده على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ مُرَاده جَوَاز إِطْلَاق الْعَمَل على الْإِيمَان فَهَذَا لَا نزاع فِيهِ لأَحَدٍ، لِأَنَّ الْإِيمَان عمل الْقلب وَهُوَ التَّصْدِيق"اهـ (2) . والقَوْلُ بِأَنَّ العَمَلَ جُزْءٌ من الإِيمان هو قول أكثر أهل العلم خلافًا لأَبِي حنيفة ومن وافقه.
ثانيًا: أهمية الجهاد، ومكانته فِي الإِسْلام، حتى أنَّه يُقَدَّمُ أحيانًا على الحَجِّ الذي هو أحد أركان الإِسْلام الخَمْسَة، وذلك عند الحَاجَّةِ إليه كما تقدم في هذا الحديث.
والمطابقة: في إطلاق العمل على الإيمان؛ كما أفاده العيني.
(1) من قولهم:"برّ يمينه: إذا سلمت من الحنث"وكذلك يقال:"بر حَجُّه: إذا سَلِمَ من الرِّياء والمال الحرام".
(2) "عمدة القاري": (بابُ مَنْ قَالَ: إنّ الإيمَانَ هُوَ العَمَلُ) ج 1 ص 184.