فهرس الكتاب

الصفحة 1689 من 2668

عُنُقَ صَاحِبِكَ» مِرَارًا!"أيْ أَهْلَكْتَهُ وَأَضْرَرَتَ به، حيث وصفته بما ليس فيه، فربما جَرَّهُ ذلك إلى العُجْبِ والغرور والشُّعُورِ بالكمال، فلا يزداد من الفضائل، فيصبح كالمقطوع الرَّأس المتوقف عن الحركة، أو كالمشلول العاجز عن العمل."

"ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لاَ مَحَالَةَ"أي إذا كان لا بد من مدحه لأنَّ المقام يقتضي الثَّنَاءَ عليه اقتضًاء شَرْعِيًَّا كتزكية الشَّاهِدِ مثلًا فليقل:"فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ"، أي إنْ كان لا بُدَّ من الثَّنَاءِ عليه لمصلحةٍ مَشْرُوعَةٍ فليقتصر على وصفه بِمَا يعلم فيه من خصال الخير الموجودة، ويقول أَثْنَاء وصفه له: أَحْسِبُهُ رَجُلًا عَدْلًا، أو صَالِحًَا، أو كَرِيمًَا مَثَلًا، أو شجاعًا، أو ماهرًا في صنعته إن كان يعلم أنَّ هذه الصِّفَة موجودة فيه، لا أنْ يثني عليه جُزَافًَا، ثُمَّ يَقُولُ:"وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا"أي ولا أقطع لأَحَدٍ بِشَيْءٍ ِفي المستقبل ولا أقطع له بِشَيْءٍ فِي ضميره، لأنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلاّ اللهُ، وإِنَّمَا أَظُنُّ أنَّه على هذه الصِّفَةِ؛ واللهُ أعلم به.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ تَزْكِيَةِ المُسْلِمِ بِمَا يعلم فيه عند الشَّهَادَةِ أو غيرها لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ"أي يصفه بِمَا يعلم عنه دون إِسْرَافٍ فِي الثَّنَاءِ أو مُبَالَغَةٍ فيه.

ثانيًا:"اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي التَّزْكِيَةِ فَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ. وَأَجَازَ الْأَكْثَرُ قَبُولَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ"اهـ (1) .

والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على التَّرْجَمَةِ حَسَبِ مَفْهُوم البُخَارِيّ.

(1) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابٌ: إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ"ج 5 ص 274.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت