"قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا"فَدَعَا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرَّحْمَةِ الْإِلَهِيّةِ التي تقتضي كثرة الإِحسان والإِنعام عليه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: جَوَازُ شَهَادَةِ الأَعْمَى وصِحَّتِهَا اعْتِمَادًَا على سَمَاعِهِ فِي كُلِّ ما يُعْرَفُ بالسَّمَاعِ، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل عَائِشَةَ عن الصَّوْتِ الذي سَمِعَهُ: هل هو صَوْتُ عَبَّادٍ؟ واعتمد على إخبارها بأنَّه صَوْتَه، فَدَلَّ ذلك على قبول شَهَادَةِ الأَعْمَى فِي المسموعات، وبه أخذ مالك وَأَحْمَد فقالوا:"تَجُوزُ شهادته فِي النِّكَاحِ والطَّلاقِ والبَيْعِ والإِجَارَةِ والنَّسَبِ والوَقْفِ والإِقْرَارِ؛ سواءٌ كان تَحَمَّلَهَا وهُوَ أَعْمَى، أو كَانَ بَصِيرًَا ثُمَّ عَمِيَ". قال فِي المدونة:"قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَالرَّجُلُ يَسْمَعُ جَارَهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ وَلَا يَرَاهُ، يَسْمَعُهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ وَقَدْ عَرَفَ صَوْتَهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، وَقَالَ: ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَشُرَيْحٌ الْكِنْدِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ"اهـ (1) . وقالت الشَّافِعِيَّة:"لا تُقْبَلْ شَهَادَتُه إلاّ فِي النَّسَبِ، والمَوْتِ، والمِلْكِ المُطْلَقِ". وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"لا تُقْبَلُ مُطْلَقًَا".
ثانيًا: أنَّ الدُّعَاءَ بِالرَّحْمَةِ لا يختص بالأموات.
والمطابقة: فِي كَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ شَهَادَةَ عَائِشَةَ أنَّ الصَوْتَ صَوْتُ عَبَّادٍ وهِيَ لَمْ تَرَه.
(1) "المدونة": [الشَّهَادَاتِ فِي الطَّلَاق] ج 2 ص 93.