فهرس الكتاب

الصفحة 1649 من 2668

قَالَ:"فَارْدُدْهُ". وَفِي لَفْظٍ قَالَ:"فَأَرْجِعْهُ". وَفِي لَفْظٍ:"لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ"وَفِي لَفْظٍ:"فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي". وَفِي لَفْظٍ:"سَوِّ بَيْنَهُمْ". وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ جَوْرًا، وَأَمَرَ بِرَدِّهِ، وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ يُورِثُ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، فَمُنِعَ مِنْهُ، كَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ مَعَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَصَّهَا بِعَطِيَّتِهِ لِحَاجَتِهَا وَعَجْزِهَا عَنْ الْكَسْبِ وَالتَّسَبُّبِ فِيهِ، مَعَ اخْتِصَاصِهَا بِفَضْلِهَا، وَكَوْنِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَحَلَهَا وَنَحَلَ غَيْرَهَا مِنْ وَلَدِهِ، أَوْ نَحَلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَلَ غَيْرَهَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ حَدِيثِهِ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى مِثْلِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ أَبِي بَكْرٍ اجْتِنَابُ الْمَكْرُوهَاتِ" (3) ."

ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ الإِشْهَادِ فِي الهِبَةِ لإثْبَاتِهَا وتَوْثِيقِهَا وتأكيدها قَالَ العَيْنِيُّ:"وَفِيه: أَنَّ الْإِشْهَاد فِي الْهِبَة مَشْرُوع، وَلَيْسَ بِوَاجِب"اهـ (4) . ولا تتوقف عليه صِحَّةُ الهِبَةِ شَرْعًَا، لأنَّهُ ليس ركنًا من أركانها، والإِشهاد وإنْ لَمْ يصرح بِهِ فِي حديث الباب، فَقَدْ صَرَّحَ به فِي الرِّوَايَاتِ الأخرى، وكلها حول قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وقد قَالَ فِي حديث الباب"أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمًا"ومعناه أنَّهُ أخبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعطاء الغلام له لِيُشْهِدهُ على ذلك كما جاء فِي الرِّوَايَاتِ الأخرى، والأحاديثُ يُفَسِّرُ بعضها بعضًا"."

ثالثًا: قال الحافظ:"وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. إِلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ فَقَالُوا: لِلْأُمِّ أَنْ تَرْجِعَ إِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا دُونَ مَا إِذَا مَات؛ َ وَقَيَّدُوا رُجُوعَ الْأَبِ بِمَا إِذَا كَانَ الِابْنُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحْ وَبِذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا وَقَالَ أَحْمَدُ:"لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ مُطْلَقًا". وَقَالَ الْكُوفِيُّون: َ"إِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ صَغِيرًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ وَكَذَا إِنْ كَانَ كَبِيرًا وَقَبَضَهَا. قَالُوا: وَإِنْ كَانَتِ الْهِبَةُ لِزَوْجٍ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ لِذِي رَحِمٍ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ"وَوَافَقَهُمْ إِسْحَاقُ فِي ذِي الرَّحِمِ؛ وَقَالَ: لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْجِعَ بِخِلَافِ الزَّوْجِ وَالِاحْتِجَاجُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ يَطُولُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَبِ أَنَّ الْوَلَد وَمَا لَهُ لِأَبِيهِ فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ رُجُوعًا؛ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ رُجُوعًا فَرُبَّمَا اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةُ التَّأْدِيبِ وَنَحْوِ ذَلِك"اهـ (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت