بْنُ سَعْدِ فَوَلَدَتْ لَهُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ. قال الحافظ فِي"الفتح":"ذكرهَا بن سَعْدٍ وَغَيْرُهُ؛ وَفِيهَا يَقُولُ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ: وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَا ... ءِ تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانُهَا"اهـ (1) .
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ وابْن مَاجَة.
معنى الحديث: أَنَّ بَشِيرَ بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَاريّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان له عِدَّة أبناءٍ، وكان ابنه النُّعْمان محظوظًا عنده، فوهب له غلامًا من غلمانه، وخَصَّهُ بِهذه العَطِيَّةِ دُونَ بَقِيَّةِ إخوانه، فَأَرَادَتْ أمه"عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ"أنْ تُوَثِّق وتؤكد هذه الهِبَةِ وتثبتها بالبَيِّنَةِ والشُّهودِ، حتى لا يستطيع أَحَدٌ إبطالها، فقالت لزَوْجِهَا كما فِي رواية أخرى لمسلمٍ:"لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وغرضها من ذلك تثبيت العطية، عند ذلك"أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا"أي أعطيت ابني هذا وهو النُّعْمان"غُلاَمًا"أي عبدًا من عبيدي، وفي رِوَايَة أخرى للبخاري:"فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ!". فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟، قَالَ: لاَ، قَالَ: فَارْجِعْهُ"، أي فاسْتَرْجِع هِبَتَك هذه لما فيها من ظلمٍ الآخرين من أبنائك، وأبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يتم هذه المعاملة، أو يَشْهَد عليها؛ وَعَدَّ ذلك جَوْرًَا، كما جاء مصرحًا به في رواية لمُسْلِمٍ وغيره أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"فَإِنّي لا أشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ"."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: وُجوُبُ المُسَاوَاةِ بين الأبناء فِي جَمِيعِ الحقوق المالية، وعدم تَخْصِيصِ بَعْضِهِم بِهَدِيَةٍ أو هِبَةٍ أو عَطِيَّةٍ دون الآخرين، لِمَا يَتَرَتَّبُ على ذلك من زَرْعِ العَدَاوَةِ والبَغْضَاء فِي نفوسهم، وقطع صلات الود بينهم، وَلِمَا فِي ذلك من الظِّلْمِ والإِجْحَافِ بِحُقُوقِ الآخَرِينَ، قال فِي"نيل الأوطار": (قَوْلُهُ:(اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْعَطِيَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَعَنْ أَحْمَدَ:"تَصِحُّ وَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْه؛ ُ وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ إنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ كَأَنْ يَحْتَاجَ الْوَلَدُ لِزَمَانَتِهِ أَوْ دَيْنِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دُونَ الْبَاقِينَ". وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ:"تَجِبُ التَّسْوِيَةُ إنْ قَصَدَ بِالتَّفْضِيلِ الْإِضْرَارَ". وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضًا صَحَّ وَكُرِهَ، وَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، وَكَذَلِكَ حَمَلُوا النَّهْيَ الثَّابِتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إذْنَ» عَلَى التَّنْزِيهِ.
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة منها: