ومَوَدَةٍ فكيف يردها إليه، أليس من مقابلة الإِحسان بالإِحسان ومواجهة المشاعر الطيبة بِمِثْلِهَا قبول الهدية تطييبًا لنفس مهديها، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبل الْهَدِيَّةَ جَبْرًَا لِخَاطِرِ صاحبها ولئلا يسيئ إليه بردها مع أنَّه عَبَّرَ له عن مَحَبَّتِهِ بإهدائها."ويثيب عليها"أي يُكَافِئُ عليها بأعظم منها، ليقابل المعروف بأكثر منه، وتلك شيمة الكرام.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَنَّهُ يُسْتَحَبّ قبول الهَدِيَّةِ، والمكافأة عليها لهذا الحديث، حيث قال:"وَيُثِيبُ عَلَيْهَا"أي يقبلها وَيُكَافِئُ عليها، وفِي رواية ابن أبِي شيبة:"يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا".
(قَالَ فِي"شَرْحِ السُّنَّةِ": اِخْتَلَفُوا فِي الْهِبَة الْمُطْلَقَة الَّتِي لَا يُشْتَرَط فِيهَا الثَّوَاب، فَذَهَبَ قَوْم مِنْ الْفُقَهَاء أَنَّهَا تَقْتَضِي الثَّوَاب لِهَذَا الْحَدِيث، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النَّاس فِي الْهِبَات عَلَى ثَلَاث طَبَقَات: هِبَة الرَّجُل مِمَّنْ هُوَ دُونه فَهُوَ إِكْرَام إِلْطَاف لَا يَقْتَضِي الثَّوَاب، وَكَذَلِكَ هِبَة النَّظِير مِنْ النَّظِير. وَأَمَّا هِبَة الْأَدْنَى مِنْ الْأَعْلَى فَتَقْتَضِي الثَّوَاب، لِأَنَّ الْمُعْطِي يَقْصِد بِهِ الرَّفْد وَالثَّوَاب، ثُمَّ قَدْر الثَّوَاب عَلَى الْعُرْف وَالْعَادَة، وَقِيلَ: قَدْر قِيمَة الْمَوْهُوب، وَقِيلَ: حَتَّى يَرْضَى الْوَاهِب") اهـ (1) ."
قال الحافظ:"وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَى الْهَدِيَّةِ إِذَا أَطْلَقَ الْوَاهِبُ وَكَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِثْلُهُ الثَّوَابَ كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ بِخِلَافِ مَا يَهَبُهُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مُوَاظَبَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَهْدَى قَصَدَ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَهْدَى فَلَا أَقَلَّ أَنْ يُعَوَّضَ بِنَظِيرِ هَدِيَّتِه؛ ِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ كَالْحَنَفِيَّةِ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ بَاطِلَةٌ لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ وَلِأَنَّ مَوْضُوعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ فَلَوْ أَبْطَلْنَاهُ لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ. وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَة؛ ِ فَمَا اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ"اهـ (2) .
والمطابقة: في قولها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَيُثِيبُ عَلَيْهَا".
(1) "عون المعبود": ج 9 ص 395.
(2) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابُ مَنْ رَأَى الْهِبَةَ الْغَائِبَةَ جَائِزَةً"ج 5 ص 210.
ـــــــــــــــــــــــــــــ