أويس المدني. قال يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ والنَّسَائِيّ:"يزيد بن رومان ثِقَةٌ". وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ". تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلغ من زُهْدِهِ وتَقَشُّفِهِ أنَّهُ كان يَمْضِي عليه وعلى آل بيته شَهْرَانِ يَرَوْنَ فيهما ثَلاثَةِ أَهِّلَةٍ لا يُوْقَدُ فِي أبْيَاتِهِم نَارٌ، ولا يُطْبَخُ طَعَامٌ، عِلْمًَا بأنَّهُنَّ كُنَّ تِسْع نِسْوةٍ، هكذا قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لابْنِ أُخْتِهَا عُرْوَة! فلما سَمِعَ عُرْوَةُ منها هذا الحديث، تَمَلَكَتْهُ الدَّهْشَةُ، فَسَأَلَهَا على أيِّ شَيْءٍ كانوا يعيشون، وأي طعام يأكلون، قالت: كُنَّا نعيش على"الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ"؛"إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَار، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا"أي إلاَّ أَنَّهُ كان لنا جِيْرَانٌ من الأَنْصَارِ، لَدَيْهِم بعض الشِّياهِ والنِّيَاقِ التي وهبت لهم، فكانوا يعطوننا من أَلْبَانِهَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مَشْرُوعِيَّةِ الهِبَةِ، ولَهَا معنيان: معنىً عام؛ وهِيَ مَا تعطيه لغيرك فِي حياتك تقصد من ورائه بَدَلًا، فَإِنْ كان منفعة دنيوية فهو الهَدِيَةُ وإنْ كان ثوابًا أُخْرَوِيًَّا فهو الصَّدَقَة، أو لا تقصد بذلك العطاء بدلًا، بل لمجرد المحبة والمساعدة للغير وهو المنحة والعطية، ومعنىً خاص: وهو مَا يُدْفَعُ إلى الغير لا يقصد من ورائه بَدَلًا، ويُسَمَّى مِنْحَةً، أَيْضًَا. وهذا النَّوْع يثاب عليه، ويؤجر على فعله، لا سيما إذا كان للجيران وأمثالهم (3) لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ"متفق عليه.
ثانيًا: ما كان عليه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآل بيته من التَّقَشُّفِ والزُّهْدِ والقَنَاعَةِ بالقليل مع أنَّ فِي إمكانه أَنْ يَمْلِكَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ"فإنَّ المِنْحَةَ نَوْعٌ من أنْوَاعِ الهِبَةِ.
(1) "فتح الباري"لابن حجر:"كِتَابُ الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا"ج 5 ص 197.
(2) قال فِي"عمدة القاري":"الْهِبَةُ مصدرٌ من: وَهَبَ يَهِبُ، وَأَصلهَا: وَهْبٌ، لِأَنَّهُ معتل الْفَاء كالعِدَةِ أَصْلهَا: وَعْدٌ، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عُوِّضَتْ عَنْهَا الْهَاء، فَقيل: هبة وعدة، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَة: إِيصَال الشَّيْء"