فهرس الكتاب

الصفحة 1635 من 2668

لأنَّهُ لا يُقَدَّمُ على حُكْمِ اللهِ شَيْءٌ، وهو الصَّوَابُ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ من العَدْلِ والحِكْمَةِ، ولأنَّهُ حُكْمُ العَلِيمِ الحَكِيمِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ المُكَاتَبَةِ، لأَنَّ هؤلاء الأَنْصَار كاتبوا بَرِيرَةَ وأَقَرَّهُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم فِي ذلك، واختلفوا هل كانت معروفةً قبل الإِسْلام؟ والصَّحيح كما قال الحافظ: أنَّهَا كانت فِي العصر الجاهلي، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ:"كَانَتْ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ:"وَقَدْ كَانُوا يُكَاتِبُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ"."وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ مِنَ الرِّجَالِ فِي الْإِسْلَامِ سَلْمَانُ؛ وَحكى بن التِّينِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ أَبُو الْمُؤَمِّلِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَعِينُوهُ". وَأَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ مِنَ النِّسَاءِ بَرِيرَةُ"، كما ذكره الحافظ (4) .

واختلفوا فيما إذا بَقِيَ على المَمْلُوكِ شَيْءٌ، فروى"مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ) وَلَوْ قَلَّ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ". وَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ:"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» (قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ رَأْيِي) وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَنِ السَّلَفِ فَعَنْ عَلِيٍّ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ، وَعَنْهُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ فَأَدَّى الْمِائَةَ عُتِقَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ عَتَقَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى» . وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ، حُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَهُوَ أَقْوَى، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنْ بَرِيرَةَ بِيعَتْ بَعْدَ أَنْ كُوتِبَتْ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِيرُ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ حُرًّا لَمُنِعَ بَيْعُهَا"اهـ (5) .

ثانيًا: أنَّهُ لا يَجُوزُ للمُكَاتِبِ أنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًَا مُخَالِفًَا لأَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى وإنْ فعل ذلك فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، ولَوْ مَائَة شرطٍ، كما فِي الحديث، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ لأنَّ حُكْمَ اللهِ أَوْلَى بالتَّنْفِيذِ.

ثالثًا: مَشْروعية الولاء للمُعْتِقِ، فهو صاحبُ الحَقَّ الشَّرْعِيّ فيمن أعتقه يرثه بعد موته، قال ابن قدامة:"أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا، أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْتِقْهُ سَائِبَةً، أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءَ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يَرِثُ عَتِيقُهُ إذَا مَاتَ جَمِيعَ مَالِهِ، إذَا اتَّفَقَ دِينَاهُمَا، وَلَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا سِوَاهُ؛"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت