797 -عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
797 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا (1) فِي الغَزْوِ"أي إذا قلّ زادهم فِي السَّفَرِ"أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَة"أيْ: أو قَلَّ طعامهم فِي الحَضَرِ وخافوا أنْ لا يَسُدَّ حاجتهم"جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ"أَيْ جَمَعُوا الطَّعَامَ الذي كان مُتَفَرِّقًا بعضه عند هذا وبعضه عند ذاك، واشتركوا فيه جَميعًا وَوَضَعُوهُ فِي ثَوْبٍ واحدٍ،"ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ"، أي بالتَّسَاوِي بينهم؛"فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: اسْتَدَلَّ البُخَارِيّ بِهذا الحديث على جَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي النَّهْدِ أو فِي الطَّعام، والنَّهْدُ كما قلنا أنْ يَنْثُرَ الرُّفْقَةُ زَادَهُم على سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَأْكُلُوا جَمِيعًَا منه، أوْ يَجْمَعُوهُ ويَقْتَسِمُوهُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً مُتَسَاوِيَةً كما فِي هذا الحديث؛ أو غير مُتَسَاوِيَةٍ.
قَالَ العَيْنِيُّ:"وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ وَفِي الْأَجْنَاسِ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْأَكْلِ، وَلَيْسَ هَذَا من الرِّبَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ من بَابِ الْإِبَاحَةِ"اهـ. وقال فِي"فيض الباري":"ليست من باب المعاوضات التي تجري فيها المُمَاكَسَةُ، أو تدخلُ تحت الحُكْم، وإِنَّمَا هِيَ من بَابِ التَّسَامُحِ، والتَّعَامُلِ"اهـ (2) . وأَمَّا الشَّرِكَةُ فِي الطَّعَامِ وكل ما يُمْلَك فَقَدْ قَالَ الحَافِظُ:"وَالْجُمْهُورُ عَلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي كُلِّ مَا يُتَمَلَّكُ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِصَاصُهَا بِالْمِثْلِيِّ وَسَبِيلُ مَنْ أَرَادَ الشَّرِكَةَ بِالْعُرُوضِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ عَرْضِهِ الْمَعْلُومِ بِبَعْضِ عَرْضِ الْآخَرِ الْمَعْلُومِ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَفِي وَجْهٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي النَّقْدِ الْمَضْرُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ تُكْرَهُ الشَّرِكَةُ فِي الطَّعَامِ وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمَا الْجَوَازُ"اهـ (3) .
ومِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًَا: اسْتِحْبَابُ خَلْطِ الطَّعَامِ والمشاركة فيه حَضَرًَا وسَفَرًَا، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى على الأشعريين ومدحهم بعملهم هذا، لِمَا يَتَرَتَّبُ عليه من حُلولِ البَرَكَةِ فِي الطَّعَامِ، وكفايته للعدد الكثير من النَّاسِ، وانتفاع الأبدان به، وغير ذلك من المؤانَسَةِ والمُبَاسَطَةِ أَثْنَاءَ تَنَاوُلِهِ، ولهذا كان هذا مِنْ سُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ".