حَيْسٍ (1) ،"فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ"أي فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا القَصْعَةَ بيدها فَكَسَرَتْهَا غَيْرَةً منها على رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ تَمَلَّكَتْهَا الغَيْرَةُ من تلك الزَّوْجَةِ الأُخْرَى، فَلَمْ تَتَمَالَكْ نفسها فكسرت القَصْعَةَ انتقامًا منها، لأنَّها اغْتَاظَتْ من ضَرَّتِهَا كيف ترسل تلك الهَدِّيَةِ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في بيتها؟!"فَضَمَّهَا"أي فجمع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أطراف تلك القَصْعَةِ التي انْكَسَرَتْ."وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: «كُلُوا» "أيْ وأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كان معه من الصَّحَابَةِ بالأَكْلِ مِنْهَا، وكَانَ الطَّعَامُ الذي فِيهَا من الحَيْسِ وهو طَعَامٌ يُصْنَعُ من التَّمْرِ والأَقْطِ والسَّمْنِ. قال الشَّاعِرُ:
وإذا تَكُوْنُ كَرِيْهَة أدْعَى لَهَا ... وَإذَا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
قَالَ الرَّاوِي:"وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ"أي وأبقى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرسول الذي جاء بالطَّعامِ والقَصْعَةِ المَكْسُورَةِ عنده وأخرهما"حَتَّى فَرَغُوا"أي حتى انتهوا من أكل طعامهم،"فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيْحَةِ، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ"أيْ فَغَرَّمَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ مثل القَصْعَةِ التي كسرتها، وأخذ قصعةً صحيحةً من أوانيها فدفعها إلى زَيْنَبَ بَدَلَ قَصْعَتِهَا التي كَسَرَتْهَا عَائِشَةَ، وهكذا أَلْزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالضَّمَانِ بالمِثْلِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
مَشْرُوعِيَّةُ ضَمَانِ المُتْلَفَاتِ من العروض والحيوان بِالمثْلِ. قَالَ ابْن التِّين:"احْتج بِهَذَا الحَدِيث من قَالَ: يقْضِي فِي الْعرُوض بِالأَمْثَالِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: كل مَا صنع الآدميون غرم مثله كَالثَّوْبِ وَبِنَاء الْحَائِط وَنَحْو ذَلِك، وَلَك مَا كَانَ من صنع الله عز وَجل مثل العَبْد وَالدَّابَّة فَفِيهِ الْقيمَة، وَالْمَشْهُور من مذْهبه أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَفِيهِ الْقِيمَةُ، وَمَا كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونًَا، فَيُقْضَى بِمثلِهِ يَوْمَ اسْتِهْلاكِهِ؛ ومَذْهَب أبِي حنيفَة أَن كل مَا كَانَ مثلِيا إِذا اسْتَهْلكهُ شخص يجب عَلَيْهِ مثله، وَإِن كَانَ من ذَوَات الْقيم يجب عَلَيْهِ قِيمَته، والمثلي كالمكيل مثل الْحِنْطَة وَالشعِير، وَالْمَوْزُون كالدراهم وَالدَّنَانِير، وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يكون الْمَوْزُون مِمَّا يضر بالتبعيض، يَعْنِي: غير المصوغ مِنْهُ، فَهُوَ يلْحق بذوات الْقيم، وَغير الْمثْلِيّ كالعدديات المتفاوتة كالبَطِّيخِ وَالرُّمَّانَ والسَّفَرْجَلِ وَالثيَابِ وَالدَّوَابِّ، والعددي المتقارب كالجوز وَالْبيض والفلوس كالمكيل"اهـ (2) .
قَالَ فِي"الاستذكار":"وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذَنِ صَاحِبِهِ فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ بِمُكَيَّلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يَرُدُّ مِنَ الذَّهَبِ الذَّهَبَ وَمِنَ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ السُّنَّةُ وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ ذَهَبًا أَوْ وَرَقًا أَوْ طَعَامًا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّهُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ صِنْفِهِ بِوَزْنِهِ وَكَيْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) "اهـ (3) .