"مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ رَاضِينَ لَأَجْعَلَنَّهَا - أَيِ الْخَشَبَةَ - عَلَى رِقَابِكُمْ كَارِهِينَ. قَالَ: وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة؛ َ وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ") اهـ (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أنَّ مِنْ حَقِّ الجارِ أنْ يَمُدَّ خشبة في الجدار، قال فِي"منح الجليل":"حَمَلَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى النَّدْبِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ:"مَعْنَى الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ لِصَاحِبِ الْجِدَارِ؛ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:"وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ"وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رُوِيَ، وَمَا كَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَبِأَنَّهُ قَضَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَرْفَاقِ. وَقَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ مَالُ إلَخْ فِي التَّمَلُّكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ لَا فِي الْإِرْفَاقِ؛ وَبِقَضَاءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِهِ، وَقَوْلُهُ لِابْنِ مَسْلَمَةَ:"وَاَللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك، وَلَمْ تَمْنَعْ أَخَاك مَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّك؟!"؛ وَبِقَضَاءِ عُمَرَ بِهِ لِابْنِ عَوْفٍ عَلَى ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا (3) . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:"لَا يَنْبَغِي لَهُ مَنْعُهُ وَإِنْ مَنَعَهُ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ؛ أَفَادَهُ الْمَوَّاقُ"اهـ (6) . وختامًا قال الحافظ فِي"الفتح":"اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجِدَارَ إِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ وَلَهُ جَارٌ فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ جِذْعَهُ عَلَيْهِ جَازَ سَوَاءٌ أَذِنَ الْمَالِكُ أَمْ لَا فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَغَيرهمَا من أهل الحَدِيث وبن حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ؛ وَعَنْهُ فِي الْجَدِيدِ قَوْلَانِ: أَشْهَرُهُمَا اشْتِرَاطُ إِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَر؛ ْ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى النَّدْبِ وَالنَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى"تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ إِلَّا بِرِضَاهُ"وَفِيهِ نظر"اهـ (7) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ جُزْءًَا من الحديث.
(1) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَأَحْمَد وابْن مَاجَة والبَيْهَقِيّ. قال فِي"سنن ابْن مَاجَه ت الأرنؤوط":"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ. الزُّهْرِيّ: هو محمَّد بن مُسْلِم، وعبد الرحمن الأَعْرَج: هو ابن هرمز. وأَخْرَجَهُ البُخَارِيّ (2463) ، ومُسْلِم (1609) ، وأَبُو دَاوُد (3634) ، والتِّرْمِذِيّ (1403) من طرق عن الزُّهْرِيّ، بهذا الإسناد"اهـ.
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ) ج 5 ص 111.
(3) قال فِي"الأم":" (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيه: ِ"أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعَرِيضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا بِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ. فَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: لَا. فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاك مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَك نَافِعٌ؟! تُشْرِبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّك؟! فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا. فَقَالَ: عُمَرُ وَاَللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك!" (4) (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيه: ِ"أَنَّهُ كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يُحَوِّلَهُ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إلَى أَرْضِهِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عُمَرَ فَقَضَى عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَمَرَّ بِهِ"اهـ (5 ) ) اهـ. قوله: (خليجًا من العُرَيْض) الخليج: النَّهر يؤخذ من النَّهر الكبير. و «العُرَيْض» : بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون الياء موضع معروف من نواحي المدينة."
(4) قال فِي"جامع الأصول":"أخرجه في"الموطأ"2/ 746 في الأقضية، باب القضاء في المرفق، وإسناده صحيح."