فهرس الكتاب

الصفحة 1578 من 2668

ثَانِيًَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْكُمُ بين النَّاسِ بالحُجَّةِ الظَّاهِرَةِ من بَيِّنَةٍ أو يَمِينٍ تَشْرِيعًا للقُضَاةِ والحكام فِي كل العصور والأزمان، فإنَّ أساسَ القَضَاءِ فِي الإِسلام يعتمد على أصول ثلاث: البينة، اليمين، الإِقرار، أي إقرار الشخص على نفسه بالحق الذي عليه، وهو سيّد الأدلة. ولا يجوز الحكم بغيرها؛ حتى قال بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إِنَّ القَاضِي لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ (2) ، فلو علم حقيقة الأمر فِي القضية المعروضة عليه فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، وإِنَّمَا يُحِيلُ القضية إلى قَاضٍ آخر، ويَأتِي شَاهِدًا فيها.

والدَّلِيلُ على أنَّ القَاضِي يَحْكُمُ بِمَا يظهر له قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ"، وإِنَّمَا حكم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك ليكون الحكم بالظَّاهِر قاعدةً من قواعد القَضَاءِ الشَّرْعِيّ فِي الإِسْلامِ، لأَنَّ الحُكْمَ باليَقِينِ ليس فِي مَقْدُورِ البَشَرِ، وحقيقة الأمر فِي صِدْقِ أَحَدِ الخَصْمَيْنِ وكَذِبِ الآخَرِ غَيْبٌ لا يعلمه إلاّ الله، فلا يَصْلُحُ أنْ يكون أَسَاسًَا للقَضَاءِ.

ثالثًا: أَنَّ حُكْمَ الحَاكِمِ لا يُحِلُّ حَرَامًَا ولا يُبِيحُ مَظْلَمَةً، فَمَنْ حُكِمَ لَهُ بِشَيْءٍ من حَقِّ غَيْرِهِ فإنَّهُ يَحْرُمُ عليه أخذه مَا دَامَ يَعْلَمُ أنّهُ حَقُّ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِم، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ"وبِهَذَا أخذ الجمهور.

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الأم":"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ إنَّمَا كُلِّفُوا الْقَضَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَدْ يَكُونُ هَذَا فِي الْبَاطِنِ مُحَرَّمًا عَلَى مَنْ قُضِيَ لَهُ بِهِ؛ وَأَبَاحَ الْقَضَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ. وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْإِمَامِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا لِقَوْلِهِ «فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ» (3) ."وتحرير هَذَا الْكَلَام أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَدَ وَأبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَسَائِرِ الظَّاهِرِيَّةِ:"أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ من تمْلِيكِ مَالٍ أَو إِزَالَةِ مِلْكٍ أَو إِثْبَاتِ نِكَاحٍ أَو من حلّه بِطَلَاق أَوْ بِمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ على حُكْمِ الْبَاطِن، فَإِنْ كَانَ ذَلِك فِي الْبَاطِنِ كَهُوَ فِي الظَّاهِر، وَجَبَ ذَلِكَ على مَا حكم بِهِ. وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْبَاطِن على خِلافِ مَا شَهَدَ بِهِ الشَّاهِدُ أَن على خلاف مَا حكم بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا على الحكم الظَّاهِر لَمْ يكن قَضَاء القَاضِي مُوْجِبًا شَيْئًا: من تمْلِيكٍ وَلَا تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ"، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالكٍ وَأبِي يُوسُف أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ:"لَا يُحِلُّ مَا كَانَ حَرَامًا قبل قَضَائِهِ، وَلَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ حَلَالًا قبل قَضَائِهِ، إِنَّمَا القَاضِي مُنَفِّذٌ على الْمُمْتَنع فَقَط لَا مزية لَهُ سوى هَذَا". وَقَالَ الشّعبِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد:"مَا كَانَ من تمْلِيكِ مَالٍ فَهُوَ على حُكْمِ الْبَاطِنِ، وَمَا كَانَ من ذَلِك من قَضَاءٍ بِطَلَاقٍ أَو نِكَاحٍ بِشُهُودٍ ظَاهِرُهُمْ الْعَدَالَةِ وَبَاطِنِهُمْ الْجِرَاحَةِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ على ظَاهِرِهِمْ الَّذِي تَعَبَّدَ اللهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ مثلهم مَعَه، فَذَلِك يجزيهم فِي الْبَاطِن لكفايته فِي الظَّاهِر") اهـ (4) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِم، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ".

(1) ذكر لطائف إِسْنَاده؛ فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت