فهرس الكتاب

الصفحة 1575 من 2668

معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ"قال القاضي عياض:"هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيَكُونُ ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْعَى بِنُورٍ هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ إِيمَانِهِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ تَعَالَى: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالظُّلُمَاتِ هُنَا الشَّدَائِدُ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أَيْ: شَدَائِدِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْأَنْكَالِ وَالْعُقُوبَاتِ"اهـ (2) .

قَالَ العَيْنِيُّ فِي شرحه:"قَالَ بن الْجَوْزِيِّ:"الظُّلْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْصِيَتَيْنِ: أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَمُبَارَزَةِ الرَّبِّ بِالْمُخَالَفَةِ وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا بِالضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِصَارِ. وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الظُّلْمُ عَنْ ظُلْمَةِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَنَارَ بِنُورِ الْهُدَى لَاعْتَبَرَ. فَإِذَا سَعَى الْمُتَّقُونَ بِنُورِهِمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِ التَّقْوَى؛ اكْتَنَفَتْ ظُلُمَاتُ الظُّلْمِ الظَّالِمَ حَيْثُ لَا يُغني عَنهُ ظلمه شَيْئا"."

وَقَالَ الْمُهلب: الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْقُرْآن: أَنَّهَا ظلماتٌ على الْبَصَرِ حَتَّى لَا يَهْتَدِي سَبِيلًا، قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمُؤْمِنِينَ: {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} . وَقَالَ فِي الْمُنَافِقين: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} . فأثاب الله الْمُؤمن بِلُزُوم نور الْإِيمَان لَهُم، ولذذهم بِالنَّظَر إِلَيْهِ، وقَوَّى بِهِ أَبْصَارهم، وعَاقَبَ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ بِأَنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ومَنَعَهُم لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقَزَّاز: الظُّلْمُ هُنَا الشِّرْكُ، أَيْ: هُوَ عَلَيْهِمْ ظَلامٌ وَعَمَىً، وَمن هَذَا زعم بعض اللغويين أَنَّ اشْتِقَاقَ الظُّلْمِ من الظَّلامُ، كَأَنَّ فَاعِلَهُ فِي ظَلامٍ عَن الْحَقِّ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ"اهـ (3) ."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

التَّحْذِيرُ مِنْ عَوَاقِبِ الظُّلْمِ الوَخِيمَةِ لأَنَّهُ يَتَحَوَّلُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ظُلُمَاتٍ تَغْشَى بَصَرَ فَاعِلِهِ، وتَحْجِبُ عليه طريقه.

والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ هِيَ لفظ الحديث.

(1) قال العيني:"وَيَجُوزُ فِي الظِّلمَاتِ: ضَمُّ اللَّامِ وَفَتْحُهَا وسُكُونُهَا، وَيُقَال: أَظْلَمَ اللَّيْلُ، والظِّلامُ أَوَّل اللَّيْلِ، والظِّلماء الظِّلمَة، وَرُبَّمَا وصف بِهَا يُقَال لَيْلَة ظلماء، أَي: مظْلمَة، وظلم اللَّيْل بِالْكَسْرِ وأظلم بِمَعْنى، وَعَن الْفراء: أظلم الْقَوْم دخلُوا فِي الظِّلام، قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} . قَوْله: (يَوْم الْقِيَامَة) ، نصب على الظّرْف"اهـ.

(2) "مرقاة المفاتيح":"باب الظلم"ج 8 ص 3200.

(3) "عمدة القاري":"بَابُ مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ"ج 12 ص 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت