فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 2668

وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّة، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا"."

ـــــــــــــــــــــــــــــ

788 -الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ وَأَحْمَد.

معنى الحديث: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ إذا تَجَاوَزُوا الصِّرَاطَ المَنْصًوبَ على مَتْنِ جَهَنَّمَ أوقفتهم الملائكة عند جِسْرٍ آخَرَ، ليَقْتَصَّ المَظْلُومُ مِنْ ظَالِمِهِ حَقَّهُ الذي اعتدى عليه فيأخذه مِنْ حَسَنَاتِهِ، أي فيأخذ مِنْ حَسَنَاتِهِ بقدر تلك المظلمة وهو معنى قوله:"فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا" (بالصَّاد) أيْ فَيَقْتَصُّ المظلوم من حسنات الظالم بقدر المظلمة التي أصابته منه، وفي رواية"فَيَتَقَاضُّونَ" (بالضَّاد) أي فيتحاكمون فِي هذه المظالم إلى رَبِّ العِزَّةِ والْجَلالِ."حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّة"أي فإذا طُهِّرُوا وتَخَلَّصُوا من حُقُوقِ النَّاسِ أُدْخِلوا الجَنَّةَ."فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا"أَيْ أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ أعرف بِمَنَازِلِهِمْ فيها من أهْلِ الدُّنْيَا بِمَنَازِلِهِمْ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ من ارْتِكَابِ المَظَالِمِ والتَّعَدِّي على حقوق الآخرين سَوَاءٌ كانت بدنية أو مالية أو أخلاقية أو غيرها، لأَنَّ المظلوم يوم القيامة يأخذ من حَسَنَاتِ ظَالِمِهِ، حتَّى يَسْتَوْفِي حَقَّهُ منه، وإذا كان هذا الحديث قَدْ دَلَّ على أنَّ القَصَاصَ فِي الحقوق والمقاضاة فيها تكون بعد المرور على الصِّراطِ فَقَدْ أَكَّدَ المُحَقِّقُونَ على أَنَّ هذا القَصَاص الذي بعد الصِّراطِ إِنَّمَا هو فِي المَظَالِمِ الخَفِيفَةِ. (قَالَ ابْن بطال:"الْمُقَاصَّةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هِيَ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، هم قوم لَا تستغرق مظالمهم جَمِيع حسناتهم، لِأَنَّهَا لَو اسْتَغْرَقَتْ جَمِيعَ حَسَنَاتِهِم لكانوا مِمَّن وَجَبَ لَهُم الْعَذَابَ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ فِيهِم: خَلَصُوا من النَّارِ، فَمَعْنَى الحَدِيث، وَالله أعلم، على الْخُصُوصِ لِمَنْ يكون عليه تَبِعَاتٌ يَسِيرَةٌ، إِذْ الْمُقَاصَّةُ أَصْلهَا فِي كَلَام الْعَرَب مُقَاصَصَةٌ، وَهِي مفاعلة، وَلَا يكون أبدًا إلاَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ: كالمُشَاتَمَةِ والمُقَاتَلَةِ، فَكَانَ لكل وَاحِد مِنْهُم على أَخِيه مظْلمَة، وَعَلِيهِ لَهُ مظْلمَة، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا يَسْتَحِقُ عَلَيْهِ النَّارَ فَيَتَقَاصُّونَ بِالْحَسَنَاتِ والسَّيئاتِ، فَمن كَانَت مظلمته أَكثر من مظْلمَة أَخِيه أَخذ من حَسَنَاتِهِ، فَيدْخلُونَ الْجنَّة ويقتطعون فِيهَا الْمنَازِلَ على قَدْرِ مَا بَقِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَلهَذَا يَتَقَاصَصُونَ بعد خَلاصِهِمْ مِنَ النَّارِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدْخُلُ الْجنَّةَ ولأَحَدٍ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، فإن قلت: إذا نقوا وهذبوا دخلوا الجنة) اهـ (1) ."

ثانيًا: أَنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَعْرِفُونَ مَنَازِلَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ أهْلِ الدُّنْيَا بِمَنَازِلِهِمْ.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت