فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 2668

الإملاق."وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ"أي ولا تختلقوا الإشاعات الكاذبة، والتهم الباطلة، التي لا أساس لها من الصحة، مثل القذف بالزِّنا كذبًا وزورًا، أو ترويج بعض الإشاعات التي تمس النَّاسَ في أعراضهم، من الخيانة، والرِّشوة، والظِّلم. فإنّ الأَوْلَى أَنْ يُحْمَل هذا النَّهي على عموم الكذب على النَّاسِ، وعلى كل تهمة تنقص من قدرهم، وتخدش من كرامتهم."وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ"أي ولا تخالفوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أي عمل يأمركم به أو ينهاكم عنه. أو لا تعصوا ولاة الأمور في أوامرهم ونواهيهم، ما دامت لا تتعارض مع الشَّرِيعَة الغَرَّاء، فإنْ أمروا بمنكر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

"فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"أي فمن وفّى منكم بهذه المعاهدة، وحافظ عليها، ولم يرتكب معصية، من هذه المعاصي التي نهيتكم عنها، فثوابه مُحَقَّقٌ وسيجده يوم القيامة عند ربه لا محالة، لأنَّه لا يخلف الميعاد."وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا"أي ومن ارتكب معصية من المعاصي التي تستوجب الحَدَّ الشَّرْعِيّ كالزِّنَا والسَّرِقَةِ"فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا"أي فنال جزاءه في هذه الحياة، وأقيم عليه الحد فِي الدُّنْيَا"فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ"أي فإنّ ذلك الحَدِّ يمحو عنه"تلك المَعْصِيَّةِ"ويسقط عنه عقوبتها في الآخرة، لأَنَّ الله أَكْرَمُ وأَرْحَمُ من أَنْ يَجْمَعَ على عبده عُقُوْبَتَيْنَ."وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ"أي من ستره الله في الدُّنْيَا، ولم يعاقَبْ على تلك الجريمة، فهو تحت مشيئة الله، وأمره مفوّض إليه، إنْ شاء غفر له، فأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ مع الأولين، وإنْ شَاءَ عَاقَبَهَ بِالنَّارِ على قدر جنايته ثُمَّ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أنَّ التَّوْحِيدَ أساس الإِيمان وشرط لقبول جميع الأعمال، وهو كذلك في سائر الأديان السماويّة، ولذلك بدأ به في المبايعة فقال:"بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا".

ثانيًا: أنَّ هذه البيعة كانت أول ميثاق إسلامي، بل أول ميثاق عالمي لحماية حقوق الإِنسان في دينه وماله ونفسه وعرضه، فهي ميثاق عظيم لحماية جميع الحقوق الإِنسانية.

ثالثًا: أنَّ دِينَ الإِسْلامِ ليس دِين عبادة فقط، وإِنَّمَا هو دين عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وغير ذلك من المبادئ والقيم، وهذه المبايعة الإسلامية الخالدة ضَمَّتْ كل هذا.

رابعًا: مَدَى قُبْحِ الكَذِبِ وخطورته على المجتمع، ولذلك خَصَّهُ بالذِّكْرِ دُونَ سَائِرِ الأخلاق الذَّمِيمَةِ، لأنَّه يفسد أكثر المعاملات، ولأنَّه أسَاسَ كُلِّ رَذِيلَةٍ وخَطِيئَةٍ، وأُمُّ الخَبَائِثِ الأَخْلاقِيَةِ: من خِيَانَةٍ وَغَدْرٍ ونِفَاقٍ، وتَدْلِيسٍ وشَهَادَةِ زُوْرٍ وقَذْفٍ ونحوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت