الصِّنْفُ الأَوَّلِ:"رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ"أَيْ رَجُلٌ قَاسِي القلب له ماء على قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ وحَاجَةِ عِيَالِهِ، فَمَنَعَ المُسَافِرَ الغَرِيبَ أنْ يَشْرَبَ مِنْهُ.
والصِّنْفُ الثَّانِي:"وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ"يعني من بايع إمامه، وعاهده على السَّمْعِ والطَّاعَةِ لمنفعة وغرض دنيوي، إنْ حَقَّقَ لَهُ تلك المنفعة أحبه ورضي عنه، وإلا كرهه ونقم عليه.
والصِّنْفُ الثَّالِثِ:"وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ"أيْ رَجُلٌ عَرَضَ سلعته وبضاعته للبيع بعد صَلاةِ العَصْرِ، فَأَقْسَمَ بِاللهِ كَذِبًَا أنَّهُ اشْتَرَاهَا بِسِعْرِ كذا ليُرَوِّجَها بأيْمَانِهِ الكَاذِبَة.
"ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) "أيْ إنَّ الذين يَنْقُضُونَ العَهَدَ ويَحْلِفُون الأَيْمَان الكاذبة لكي ينالوا بذلك عَرَضًَا يَسِيرًَا من حُطَامِ الدُّنْيَا من مَالٍ أو مَرْكَزٍ أو جَاهٍ (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ) أي لا نصيب لهم من نعيمها (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) بما يسرهم (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نظر رَحْمَةٍ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الإِيلامِ والإِيْجَاعِ لهم؛ وإِنَّمَا تلا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآيَةَ لِيَسْتَدِّلَ بِهَا، على أنَّ الَّذِينَ ينفقون سلعهم، ويُرَوِّجُون تجارتهم بالأيْمان الكاذبة، داخلون فِي هذا الوعيدِ الشَّديدِ ضمن الأصناف الثَّلاثة المَذْكورة.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّهُ يَحْرُمُ على صَاحِبِ المَاءِ أنْ يمنع ما زاد عن حاجته عن المسافر، لأنَّ هذا الوعيدُ الشَّديدُ المذكور فِي الحديث لا يَتَرَتَّب إلّا على ارتكاب مُحَرَّمٍ، وفيه حُجَةٌ لمَالكٍ: على أنَّه لا يَجُوزُ منعَ فَضْلِ المَاءِ عن كُلِّ من يَحَتَاجُ إليه. سَوَاءٌ كان إنْسَانًَا أو مَاشِيَةً أو زَرْعًَا؛ كما يقول.
ثانيًا: وُجُوبُ السَّمْعِ والطَّاعَةِ لِوَلِي الأَمْرِ فيما أحبه المُسْلِم أو كَرِهَه من أمور الدُّنْيَا؛ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً للهِ.
ثالثًا: تَحْرِيمُ الأيْمَانِ الكَاذِبَةِ والوعيد الشَّديد عليها.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحديث دَلِيلًا على التَّرْجَمَة حَيْثُ عَدَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأصْنَافِ الثَّلاثَةِ المحرومين من رَحْمَةِ اللهِ وغفرانه رَجُلًا له فَضْلُ ماءٍ بالطريق فمنعه ابن السَّبيل، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.