الزِّراعة التي تكد فيها وتكدح؟!"قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ (1) نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ"أي فأذن الله له أنْ يمارس هوايته فِي الْجَنَّةِ فما كاد يبذر بذره حتى نبت الزَّرْعُ ونضج واستحصد فِي أسرع من طرفة عين ولمحة بصر"فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ"أي فجُمع القمح الذي زرعه فَصَارَ أكْوَامًَا ضخمة كالجبال، عند ذلك قال الله تَعَالَى له:"دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لاَ يُشْبِعُكَ شَيْءٌ"تلك هي طبيعتك أيها الإِنسان لا يمكن أنْ يغنيك شَيْءٌ عن هوايتك المفضلة لديك. وكان بين الحاضرين أَعْرَابِيٌ"فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لاَ تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا، أَوْ أَنْصَارِيًّا"لأنَّ الأَنْصَار هم الذين يعملون فِي الزِّرَاعَةِ."فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَنَّ لِكُلِّ إنْسْانٍ هوايته المفضلة التي لا يشغله ولا يغنيه عنها شَيْءٌ مَهْمَا عظم قدره حيث إنَّ الجَنَّةَ بِمَا فيها لَمْ تُنْسِ هذا الرَّجُل حبه للزِّرَاعَةِ، فسأل ربه ذلك.
(1) قال فِي"عمدة القاري": قَوْله: (الطّرف) ، مَنْصُوب بقوله: فبادر، و: نَبَاته، بِالرَّفْع فَاعله. قَالَ ابْن قرقول: الطّرف: بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الرَّاء: هُوَ امتداد لحظ الْإِنْسَان حَيْثُ أدْرك. وَقيل: طرف الْعين، أَي: حركتها، أَي: تحرّك أجفانها"اهـ."