اهـ (4) ، وبحديثه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال:"مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِهَا بِثُلُثٍ، وَلَا رُبُعٍ، وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى"قَالَ قَتَادَةُ:"وَهُوَ ظَهِيرٌ"أَخْرَجَهُ أحمد (5) .
وأجاب القائلون بِجَوَازِ المُزَارَعَةِ بأجوبة منها؛ كما قال ابن قدامة:"أَنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. يُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا لَوْ انْفَرَدَتْ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى مِثْلِ حَدِيثِنَا؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثُ رَافِعٍ أَلْوَانٌ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدِيثُ رَافِعٍ ضُرُوبٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَافِعٍ بِعِلَلٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِذَلِكَ، مِنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهَا خَمْسٌ أُخْرَى. وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَقِيهَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ؛ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ"اهـ (6) .
ثالثًا: أنَّ المُسَاقَاةَ والمُزَارَعَةَ لا تجوز إلاّ على نِسْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِمَّا تنتجه الأرض من الثَّمَرِ أو الزَّرْعِ، لأَنَّ هذه هي صيغة المُسَاقَاةِ والمُزَارَعَةِ التي عامل بها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل خيبر، حيث عاملهم على النِّصْفِ مِمَّا يَخْرُجُ منها. وهي نفس المعاملة التي تَمَّت بين المهاجرين والأَنْصَار، أَمَّا المُسَاقَاةُ أو المُزَارَعَةُ على جهة محددة من الأرض بأنْ يكون إنتاج هذه الجهة للمالك وإنتاج الجهة الأخرى للفلاح والعامل فهذا لا يَجُوزُ، لِمَا فيه من مَضَرَّةٍ للمالك وحده أو للعامل وحده إذا أصيبت إحدى الجهتين بآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وقد جَاءَ النَّهْيُ عن ذلك فِي الحَدِيثِ الصَّرِيحِ عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:"كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ»، قَالَ: «فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ دَلِيلًا عليها.
(1) قال في المعجم الكبير للطَّبَرَانِيّ:"رواه المصنف في"الأوسط"عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزُّهْرِيّ، مرسلًا، وانظر"العلل"للدارقطني (3459) اهـ."
(2) سنن أبي داود -ن:"قال الألباني: صحيح الإسناد". وقال في"مسند أحمد ط الرسالة":"إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الزبير- وهو محمد بن مسلم بن تدرس- فمن رجال مسلم"اهـ.
(3) أمّا المزارعة على ما بين النَّخِيلِ والشَّجَرِ تبعًا للمُسَاقَاةِ فَقَدْ أجَازَهَا مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ إذا كانت أقل؛ ومنعها أَبُو حَنِيْفَةَ مُطْلَقًَا.
(4) سنن أبي داود -ن:"قال الألباني: صحيح".
(5) أَخْرَجَهُ أحمد وقال:"وإِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ، رجاله ثقات، رجال الشَّيْخين". كما أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ وابْن مَاجَة.
(6) "الْمُغْنِي"لابن قدامة:"مسألة المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض"ج 5 ص 311.