وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخِيلِ وَالْكَرْمِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي ثَمَرَتِهِمَا، وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي نَمَائِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ:"لَا تَجُوزُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ، أَوْ إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، أَشْبَهَ إجَارَةَ نَفْسِهِ بِثَمَرَةٍ غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْقِيه". وَلَنَا: السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَلَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا خَالَفَهُمَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا إجَارَةٌ. غَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ، فَهِيَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَيَنْكَسِرُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْمُضَارَبَةِ؛ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِي الْمَالِ بِنَمَائِهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وَقَدْ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ"اهـ (2) ."
وقد اتِّفَقَ الجمهور على جَوَازِهَا إجْمَالًا لِمَا جاء فِي حديث الباب من اتِّفَاقِ المهاجرين والأَنْصَار عليها. قَالَ العَيْنِيُّ:"ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي عَمَلهم على النِّصْفِ مِمَّا يَخْرُج الثَّمَرَة لِأَن الشّركَة إِذا أبهمت وَلَمْ يكن فِيهَا حَدٌّ مَعْلُوم كَانَت نِصْفَيْنِ"اهـ (3) . وأمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ:"إنَّهَا لا تَجُوزُ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ، أَوْ إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ"، فالجَوَابُ عنه من وَجْهَيْنِ:
الأَوَّل: أنَّهُ لا اجْتِهَادَ مع النَّصِّ، والنَّصُّ مَوْجُودٌ، وهو حديث الباب.
الثَّانِي: أَنَّ المُسَاقَاةَ ليست إجَارَةٌ حتَّى تطبق عليها أحكامها، وإِنَّمَا هِيَ شَرِكَةُ مُضَارَبَةٍ والشَّرِيكَانِ يَشْتَرِكَان فِي الغُرْمِ والغُنْمِ مَعًَا.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم:"تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ"وإقراره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك.
(1) "تيسير العلام":"باب المساقاة والمزارعة"ج 1 ص 525.
(2) "المغني"لابن قدامة: [مَسْأَلَةٌ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ] ج 5 ص 291.
(3) "عمدة القاري": (بَاب إِذا قَالَ اكْفِنِي مُؤنَة النّخل أَو غَيره وتشركني فِي الثَّمر) ج 12 ص 161.