فهرس الكتاب

الصفحة 1500 من 2668

وهو القُرب؛"مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ". يريد أبو رافع أن يقول: لا بد لِي من أَنْ أبيعهما لك، ولو بِسِعْرٍ أَقَلّ، وإن الذي يدفعني إلى بيعهما لك هو هذا الحديث الذي سمعته من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذي قرّر فيه حق الجار فِي شراء نصيب جاره، وتفضيله فِي البيع على غيره.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّهُ يَنْبَغِي للجَارِ إذا أراد أنْ يبيعَ ما يَخُصُّه من الأرض أو الدَّار أنْ يعرضها على جاره كما فعل أبو رافعٍ، وكذلك الشَّرِيك، وهو أولى؛ لقوله:"أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حَائِطٍ فَلاَ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى شَرِيكِهِ"أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (2) . فبالنِّسْبَةِ إلى الجار يحتمل أنْ يكون إعلامه بالبيع مستحبًا ومندوبًا؛ وأنَّ ترك إعلامه مكروه فقط. وأمَّا بالنِّسْبَةِ إلى الشَّرِيك فظاهر الأحاديث يدل على وجوب إعلامه، وأنَّ له حق الشُّفْعَةِ، وأنَّه أولى من غيره بشراءِ الحِصَّةِ التي يُرادُ بيعها، والله أعلم.

ثانيًا: إثبات حق الشُّفْعَةُ للجار لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث الباب"الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِه"وبِهذا قال أَبُو حَنِيْفَةَ ومن وافقه من أهل العلم، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث الباب، ومنها حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"جَارُ الدَّارِ أحَقُّ بِالدَّارِ"أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (3) . وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ فِي الْأَحَادِيثِ الشَّرِيكُ. قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فَإِنَّهُ سَمَّى الْخَلِيطَ جَارًا وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ؛ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَأَعْرَفُ بِالْمُرَادِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ تَسْمِيَةَ الشَّرِيكِ جَارًا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا فَهُوَ جَارٌ" (4) ."

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ".

(1) قال فِي"شرح النووي على مسلم":"قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ إزالة الضرر عن الشريك وخصت بِالْعَقَارِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا؛ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْمَنْقُولِ. قَالَ الْقَاضِي:"وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَأَثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي الْعُرُوضِ؛ وَهِيَ رواية عن عطاء وتثبت في كل شيءٍ حتى في الثَّوْب وكذا حكاها عنه بن الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ - رِوَايَةٌ - أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْبِنَاءِ الْمُنْفَرِدِ؛ وَأَمَّا الْمَقْسُومُ فَهَلْ تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ بالجوار؟ فِيهِ خِلَافٌ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ العلماء لا تثبت بالجوار؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ تَثْبُتُ بِالْجِوَارِ"اهـ."

(2) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، لكن يؤيده ما رواه مُسْلِم في صحيحه حيث قال فيه:"لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ". قال النَّوَوِيّ:"فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى النَّدْبِ إِلَى إِعْلَامِهِ وَكَرَاهَةِ بَيْعِهِ قَبْلَ إِعْلَامِهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا وَيَصْدُقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَلَالٍ وَيَكُونُ الْحَلَالُ بِمَعْنَى الْمُبَاحِ وَهُوَ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْمَكْرُوهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ بَلْ هُوَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت