وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
تَحْرِيمُ هذه الأَشْيَاءِ الثَّلاثَةِ المذكورة، وقد أجَمَعَ العُلَمَاءُ على تَحْرِيمِ مَهْرِ البَغِيِّ، ثُمَّ اختلفوا فيما يُصْنَعُ فِيهِ، قال فِي"مجموع الفتاوى"لابن تيمية:"وَمَنْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ عَيْنٍ مُحَرَّمَةٍ أَوْ نَفْعٍ اسْتَوْفَاهُ مِثْلَ أُجْرَةِ حَمَّالِ الْخَمْرِ وَأُجْرَةِ صَانِعِ الصَّلِيبِ وَأُجْرَةِ الْبَغِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا وَلْيَتُبْ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ الْمُحَرَّمِ وَتَكُونُ صَدَقَتُهُ بِالْعِوَضِ كَفَّارَةً لِمَا فَعَلَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا الْعِوَضَ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ خَبِيثٌ وَلَا يُعَادُ إلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى الْعِوَضَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ؛ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَنْ نَصَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ"اهـ (1) . وأجْمَعُوا أَيْضًَا على تَحْرِيمِ حُلْوَانِ الكَاهِنِ وأنَّهُ لا يحل له ما يأخذه، ولا يحل لأَحَدٍ تَصْدِيقَه. قال فِي"الاستذكار":"قَالَ أَبُو عُمَرَ:"لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ حَرَامٌ؛ وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ"اهـ (2) . وقال فِي"المنتقى شرح الموطأ":"وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَهُوَ مَا يُعْطَاهُ الْكَاهِنُ لِتَكَهُّنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَلِأَنَّ التَّكَهُّنَ مُحَرَّمٌ، وَمَا حَرُمَ فِي نَفْسِهِ حَرُمَ عِوَضُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ"اهـ (3) ."
أمَّا بيعُ الكَلْبِ وأخذ ثَمَنِهِ فإنَّ ظاهرَ الحديثِ يدل على تحريمِ بيعه وأكل ثمنه مُطْلَقًَا، مأذونًا فيه أو غير مأذون، قال الحافظ فِي"الفتح": (وَظَاهِرُ النَّهْيِ تَحْرِيمُ بَيْعِهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ؛ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَوْ لَا يَجُوزُ. وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنْ لَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ؛ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ مَالِكٌ:"لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ"؛ وَعَنْهُ كَالْجُمْهُورِ؛ وَعَنْهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ:"يَجُوزُ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ"؛ وَقَالَ:"إِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا"وَإِسْنَادُهُ صَحِيح. ٌ وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلَا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ". وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَجَاسَتُهُ مُطْلَقًا؛ وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ. وَعِلَّةُ الْمَنْعِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى نَجَاسَتَهُ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِهِ وَالْأَمْرُ بِقَتْلِهِ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّ مِنْهُ مَا أذن فِي اتِّخَاذِهِ) اهـ (4) .
والمطابقة: ظاهرة.
(1) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية:"وَسُئِلَ: عَنْ خَيَّاطٍ خَاطَ لِلنَّصَارَى سَيْرَ حَرِيرٍ فِيهِ صَلِيبُ ذَهَبٍ"ج 22 ص 142.
(2) "الاستذكار": (بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الكَلْبِ) ج 6 ص 428.
(3) "المنتقى شرح الموطأ": [مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ] ج 5 ص 28.
(4) "فتح الباري"لابن حجر:"باب ثمن الكلب"ج 4 ص 426.