وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جَوَازُ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالبُرِّ بِالْبُرِّ والشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، يَدًا بِيَدٍ، أي بِشَرْطِ أنْ يستلم البائعُ الثَّمَنَ والمُشْتَرِيّ السِّلْعَةِ قبل أنْ يتفرقا.
ثانيًا: أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَتَأَخَّرَ أحدُ البَدَلَيْنِ عن الآخر فِي بيع الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالبُرِّ بِالْبُرِّ والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، لأنَّه رِبَا النَّسِيئَةِ المُحَرَّمِ شرعًا. وكما لا تجوز النَّسِيئَةُ فِي بيع هذه الأصْنَاف بنفسها، كذلك لا يَجُوزُ التَّفاضُل، أمَّا تَحْرِيمُ النَّسِيئَةِ فيدل عليه حديث الباب؛ وأمَّا تَحْرِيمُ التَّفاضل فتدل عليه أحاديث أخرى. وقد وردت هذه الأحكام مجتمعة فِي حديث عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم. فَقَدْ دَلَّ حديث عُبَادَة هذا على أنَّ بيع هذه الأصْناف تعتريه أحكام ثلاثة:
الأول: يَحْرُم بَيْعُها نَسِيئَةً وتفاضلًا إذا كان البَدَلانِ من نوعٍ واحدٍ، كبُرٍّ بِبُرٍّ، وشَعِيرٍ بشَعِيرٍ (4) .
الثاني: يَحْرُم بَيْعُها نَسِيئَةً ويَجُوزُ تَفَاضُلًا، إذا اخْتَلَفَ النَّوْعان كبيع الشَّعِيرِ بالتَّمْرِ (5) .
الثالث: يَجُوزُ بيعها نَسِيئَةً وتَفَاضُلًا إذا بِيعَتْ هذه الأصْنَاف بأصناف أخرى غير الأشياء المذكورة فِي الحديث، وهذا الحكم وإنْ كان غير مَنْصُوصٍ عليه، إلاّ أنَّهُ يؤخذ من مفهوم الحديث.
والمطابقة: فِي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبَا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ".
(1) قال العيني:"وَأما قَوْله: (هَاء وهاء) ، فَقَالَ صَاحب (الْعين) : هُوَ حرف يسْتَعْمل فِي المناولة، تَقول: هَاء وهاك، وَإِذا لم تجئ بِالْكَاف مددت فَكَانَ الْمدَّة فِي: هَاء، خلف من. كَاف المخاطبة، فَنَقُول للرجل: هَاء، وللمرأة: هائي، وللاثنين: هاؤما، وللرجال: هاؤموا، وللنساء هاؤن"اهـ.
(2) قال العيني:"ثمَّ الْكَلَام فِي الذَّهَب: هَل مُذَكّر أم مؤنث؟ فَقَالَ فِي (الْمُنْتَهى) : رُبمَا أنث فِي اللُّغَة الحجازية، والقطعة مِنْهُ ذهبة، وَيجمع على أذهاب وذهوب، وَفِي (تَهْذِيب الْأَزْهَرِي) : لَا يجوز تأنيثه إلاَّ أَن يَجْعَل جمعا لذهبة، وَفِي (الموعب) عَن صَاحب (الْعين) : الذَّهَب التبر، والقطعة مِنْهُ: ذهبة، يذكر وَيُؤَنث. وَعَن ابْن الْأَنْبَارِي: الذَّهَب أُنْثَى، وَرُبمَا ذُكِّرَ، وَعَن الْفراء، وَجمعه ذهبان"اهـ.
(3) "عمدة القاري": (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعامِ والحُكْرَةِ) ج 11 ص 252.
(4) لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ .... إلخ"لدلالته بالنَّصِّ على وجوب التَّمَاثُلِ والتَّقَابُضِ فِي المجلس بين البدلين المتحدين فِي النوع ولدلالة مفهومه على تحريم التفاضل والنسيئة بينهما.
(5) وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"حيث يدل بنصه ومنطوقه على أنَّه إذا اختلف النَّوْع جاز التَّفاضل وحرمت النَّسيئة"اهـ."