الثَّانِي: إِقْراءُ السَّلامِ على كل من لقيْنا، سواءٌ كان عن معرفةٍ أو غير معرفةٍ، قريبًا أو بعيدًا، وإشاعته على المسلمين جَمِيعًا، لأَنَّ السَّلامَ للهِ فينبغي بذله وإفشاؤه لِكُلِّ مُسْلِمٍ ابتغاء وجه الله دون تمييز بين شخص وآخر ولأنّهُ تحية الإِسلام لعموم المسلمين. فينبغي أنْ لا تؤثر فيه العواطف والمجاملات.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: فَضْلُ إِطْعَاِمِ الطَّعَامِ في الإِسْلامِ، وكَوْنُهُ من أفْضَلِ الأَعْمَالِ شَرِيطَةَ أَنْ يكونَ لوجه الله تعالى، لا رِيَاءً وسُمْعَةً قال السنوسي:"أمَّا ما كان لفائدةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّة ٍكالمُبَاهَاةِ والانْتِفاَعِ والثَّنَاءِ ونحو ذلك، فليس بمقصود، بل رُبَّمَا كان بعضه مُحَرَّمًَا، كالإطْعَامِ لبعض اللئِامِ من الظَّلَمَةِ والفُسَّاقِ يَسْتَعِينُ بهم على فَسَادِهِ"اهـ (1) .
ثانيًا: أنَّ إفشاء السَّلامِ من سُنَّةِ خَيْرِ الأنَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن أفضل شرائع الإسلام. لما فيه من التواضع للمسلمين، وخفض الجناح للمؤمنين، وتوثيق الروابط معهم، واكتساب محبتهم ومودتهم فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ"أخرجه مسلم.
ثالثًا: أَنَّ السَّلامَ لا يكون سُنَّةً وقُرْبَةً إلى اللهِ إلَّا إذا كان على من عرفت ومن لَمْ تعرف من المسلمين، دُونَ تَخْصِيصِ بعضهم به. قال الحافظ: (لَا تَخُصَّ بِهِ أَحَدًا تَكَبُّرًا أَوْ تَصَنُّعًا بَلْ تَعْظِيمًا لِشِعَارِ الْإِسْلَامِ وَمُرَاعَاةً لِأُخُوَّةِ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ قِيلَ: اللَّفْظُ عَامٌّ فَيَدْخُلُ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ وَالْفَاسِقُ أُجِيبَ بِأَنَّهُ خُصَّ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ"أخرجه مسلم) اهـ (2) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ".
(1) "شرح السنوسي على صحيح مسلم": ج 1.
(2) "فتح البارى"لابن حجر: (فِي تَفْسِيره سُورَة حم السَّجْدَة) ج 1 ص 56.