بِهِ حَتَّى يَمُرَّ بِهِ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ فِيمَا يَبْتَاعُ ثَلَاثًا فَيَرُدُّ عَلَيْهِ دَرَاهِمَهُ وَيَأْخُذُ سِلْعَتَهُ"اهـ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَحْرِيمُ الخِدَاعِ فِي البيع والغبن فيه وهو الزِّيَادَة فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ زِيَادَةً فَاحِشَةً على من لا يعرف قيمتها، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ"أي لا خديعة فِي البيع شَرْعًَا، وهو نَفْيٌ بمعنى النَّهْي يقتضي تحريم المنهي عنه.
ثانيًا: ثُبُوتُ الخِيَارِ بالغَبْنِ، فمن غُبِنَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وزيد عليه فِي الثَّمن وهو يجهل قيمتها كان له الخيار فِي رَدِّهَا، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ على شَرْطِ أنْ يكون الغَبْنُ فاحِشًا والزِّيادة كثيرة، واختلفوا في تقدير الغُبْنِ الفاحِشِ الذي يتحقق به الخيار فَقَيَّدَهُ بعض المالكية بأنْ يبلغَ الغَبْنُ ثلث القيمة أمَّا القليل فيُتَسَامَحُ فيه. قال فِي"منح الجليل":"فَقِيلَ قَدْرُ الْغَبْنِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ بِمَا يَنْقُصُ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي أَنْ تَزِيدَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ، وَقِيلَ لَا يُحَدُّ بِالثُّلُثِ، وَلَا بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ سِوَى مَا دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهُ غَبْنٌ"اهـ (2) . وذهب الجمهور إلى عدم ثبوت الخيار بالغَبْنِ لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن وغيره. وأجابوا عن حديث الباب بِأنَّهُ حُكْمٌ استثنائيٌّ خاصٌ بِهَذَا الرَّجُلِ لضعف عقله وقلة رَشَده، مما جعل حكم تصرفه كتصرف الصَّبِيِّ المأذون له فِي التَّعَامُلِ مع النَّاس.
وقال فِي"مرقاة المفاتيح":"أَقُولُ: الْغَبْنُ الْفَاحِشُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَيُثْبِتُ الْخِيَارَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَالرَّجُلُ أَرَادَ مُطْلَقَ الْغَبْنِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرِي ذَا بَصِيرَةٍ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا كَانَ الْغَبْنُ فَاحِشًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ ظَهَرَتْ فِيهِ غَبِينَةٌ وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ وَكَأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ غَيْرَ زَائِدٍ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَيُضَاهِي مَا إِذَا شَرَطَا وَصَفًْا مَقْصُودًا فِي الْمَبِيعِ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ الْحَدِيثَ بِحِبَّانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَتَصْدِيرِ الشَّرْطِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَحْرِيضًا لِلْمُعَامِلِ عَلَى حِفْظِ الْأَمَانَةِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْخِلَابَةِ"اهـ (3) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ".
(1) قال فِي"صحيح ابن حِبَّان محققًا":"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ قوي، أبو ثور واسمه إبراهيم بن خالد - ثقة، روى له أَبُو دَاوُد، وابْن مَاجَه، ومن فوقه من رجال الصحيح، وعبد الوهاب بن عطاء سمع من سعيد - هو ابن أبي عروبة - قبل الاختلاط. وأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ في البيوع بهذا الإسناد. وأَخْرَجَهُ أحمد، والدَّارَقُطنِيّ، والبَيْهَقِيّ من طرق عن عبد الوهاب به. وَصَحَّحَهُ الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذَّهَبِيّ."