فِي سلعته، وصَدَقَ المُشْتَرِيّ وبيَّن العيب الذي في الثمن حلت البركة في ذلك البيع فكان مربحًا، وكثر نفعه لهما،"وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"، أي رُفِعَتْ البركة من ذلك البيع، فكان خسارة لهما.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
ثبوت الخيار للمتبايعين فِي إمضاء البيع وفسخه حَتَّى يَتَفَرَّقَا، واختلف أهل العلم فِي التَّفَرُّقِ الذي يُسْقِطُ الخِيَارَ، ويوجب البيع، فذهب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وغيرهم إلى أنَّهُ التَّفَرُّقُ بالأبْدَانِ، وأثْبَتُوا خِيَارَ المَجْلِسِ. فعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إِنَّ «المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ البَيْعُ خِيَارًا» قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ". قال فِي"المحلى":"فَصَحَّ أَنَّهَا الِاسْتِقَالَةُ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْهَا الْمُفَارَقَةُ بِلَا شَكٍّ، وَهِيَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ الْمُوجِبُ لِلْبَيْعِ، الْمَانِعُ مِنْ فَسْخِهِ وَلَا بُدَّ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا، وَلَا يَحْتَمِلُ لَفْظُ الْخَبَرِ مَعْنًى سِوَاهُ أَلْبَتَّةَ"اهـ(1) .وقال مَالِكٌ وأَبُو حَنِيْفَةَ:"هو التَّفَرُّقُ بِالأَقْوَالِ عند انتهاء العقد، ووقوع الإِيجاب والقبول، فإذا قال البائع: بعت والمُشْتَرِيّ اشتريت لزم البيع"؛ واستدل مالك على ذلك بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي الحديث الصحيح) :"وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ"؛ فلو كان خِيَارُ المَجْلِسِ مَشْرُوعًَا لَمْ يَحْتَجْ للاسْتِقَالَةِ، لأَنَّ من حَقِّهِ الخيار ما دام فِي المجلس. قال فِي"الذخيرة"للقرافي:"قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي. فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ. لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذِهِ صُورَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ فَلَا بُدَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَهُمْ اشْتَرَيْتُ"اهـ (2) . وقال فِي"تبيين الحقائق":" (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرُوهُ يُوجِبُ التَّمَامَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ"اهـ (3) .
والخلاصة: كما قال فِي"الْمُغْنِي":"فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ هَا هُنَا التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» . أَيْ بِالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ. قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ:"
مِنْهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِلَفْظٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، إنَّمَا بَيْنَهُمَا اتِّفَاقٌ عَلَى الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ.
الثَّانِي، أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِي إنْشَائِهِ وَإِتْمَامِهِ، أَوْ تَرْكِهِ.
الثَّالِثُ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ» . فَجَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا، وَقَالَ: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» .
الرَّابِعُ، أَنَّهُ يَرُدُّهُ تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ لِلْحَدِيثِ بِفِعْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا مَشَى خُطُوَاتٍ؛ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَرْزَةَ لَهُ، بِقَوْلِهِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِنَا، وَهُمَا رَاوِيَا الْحَدِيثِ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ. مَعْنَاهُ، أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إلَى بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ، وَبَيْعٍ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ، سَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فِيهِ"اهـ (4) ."