معنى الحديث: أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما هاجر إلى المدينة أراد أنْ يقيم بين المهاجرين والأَنْصَار رابطة وعلاقة أقوى من النَّسَبِ، وهي رابطة الأخوة في الإِسلام، فجعل لكل مهاجر أخًا من الأَنْصَار وأقام بينهما علاقة تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أُخُوَةِ النَّسَبِ تقتضي المناصرة والمواساة والمشاركة في السَّرَاء والضَّرَاء، حتَّى إِنَّهُم كانوا يتوارثون فِي أوّلِ الإِسْلامِ إلى أَنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) فاقتصر الإِرث على أصحاب المواريث الشَّرْعِيّة المعروفة. وكان من ضمن هؤلاء المهاجرين عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ، فقد آخى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فعرض عليه سَعْدٌ أَنْ يَخْتَارَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ، فيُطَلِّقَها ويُزَوِّجُهَا له، ويعطيه نصف ماله، فأبت عليه مروءته وعِزَّة نفسه أنْ يكون عبئًا على غَيْرِهِ، وعالةً على سِوَاهُ، فقال لسَعْدٍ:"لاَ حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ"لأنَّنِي شَابٌ سَلِيمٌ قَوِّيٌّ قادرٌ على العمل، وفي رواية أنَّه قال له:"بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ"، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:"هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاع"أي سأله عن سوق المدينة التُّجَاري، فَدَلَّهُ على سوق بني قينقاع ويقع عند جسر بطحان، وكان يقام عِدَّة مرات في السَّنَةِ، يجتمع فيه التُّجار العرب الوافدون إلى المدينة.
فصار عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يتردد عليه كل يوم صباحًا ليتاجر فِي السَّمْنِ والأقط وغيره من المواد الغذائية، والأقط هو اللبن المجفف المعروف فِي عصرنا هذا (بالمضِير) فلم يَمْضِ عليه إلّا زمن قليل، حتى جَمَعَ شيئًا من المال، فتزوج منه وأتى إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، أي صفرة الطِّيب الذي تَطَيَّب به في زفافه"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَزَوَّجْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «وَمَنْ؟» ، قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَار؛"وهي بنت أنس بن رافع من بني عبد الأشهل"."قَالَ:"كَمْ سُقْتَ؟"أي كم دفعت لها من الصَّدَاقِ؟"قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ - أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ -"وهي وزن ثلاثة دراهم وثلث؛ كما قال أَحْمَد بنِ حَنْبَل."فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» "أي فأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالوليمة وهي الطَّعَام الذي يُصْنَعُ فِي العُرْسِ، والمعنى اصنع بمناسبة عرسك طعامًا، واذبح فيه ولو شاةً واحدةً.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وبيان معنى التِّجَارَةِ الصَّحِيْحَةِ التي شَرَعَهَا الإِسْلامِ، ودل عليها قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ، وأنَّها هي البَيْعُ والشِّراءُ في الأسواق التُّجَارية كما دل على مشروعية البَيْعِ، وأنَّه من أشرف الوسائل لكسب المال الحلال، فقد مارسه أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما فعل عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ عَوْفٍ حيث قال: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ فَلَمَّا دَلّهُ عليه تابع الغُدُوَّ إليه حتى جَمَعَ مَالًا، فتزوج، ثُمَّ واصل البيع والشِّراء حتى أصبح من أثْرِياءِ الصَّحَابَةِ الأَجْواد. فقد بلغ ما تَصَدَّقَ به على عهد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعين ألفًا، بالإِضافة إلى ما حُمِلَ عليه.
ثانيًا: ما كان عليه المهاجرون والأَنْصَار فِي عهد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مودة ومحبة وإيثار بالمال وغيره، مِمَّا دفع سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنْ يعرض على عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نصف ماله إلخ.