وَلِأَنَّهُ يَعُمُّ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ". وإِنَّمَا اهتم الإِسلام بكفِّ الأذى عن الناس لتوثيق الرَّوابط الاجتماعية بينهم، وصيانة المجتمع عن كل ما يؤدي إلى التَّفَكُّكِ والتَّقَاطُعِ والتَّدَابُرِ."
"والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ"أي أنَّ المهاجر الكامل الصَّادق في هجرته هو من ترك كل ما نهى الله عنه من المعاصي، سواء كانت من الأقوال الكريهة، أو الأفعال الذميمة. لأن هذا هو الهدف الأسمى المقصود من الهجرة. ولهذا قال الحافظ:"وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ" (3) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: اهتمام الإِسلام البالغ بكف الأذى عن النَّاس وحسن معاملتهم، حتى أنَّه حصر الإِسلام الكامل فيه، وحثّ المسلمين عليه،"لأَنَّ الدِّينَ المُعَامَلَةَ"فالمسلم لا يؤذي أَحَدًا ولو كان كافرًا، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ" (4) . وقد أجمعت كل الأديان السَّمَاوِيَّةِ على حفظ حقوق الإِنْسان وصيانتها، حتى قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَنْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ"؛ وفي رواية:"مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". وإِنَّمَا خَصَّ اللسان بالذكر لما يصدر عنه من الأفعال التي قد يتساهل المرء بها مع شدة خطورتها، ومن أشدها ضررًا الغيبة والنميمة، وقد قال المأمون:"النَّميمة لا تقرب مودة إلاّ أَفْسَدَتْهَا ولا عداوة إلاّ جَدَّدتها، ولا جماعة إلا بدَّدتها"، وقال الشاعر:
مَن نَمَّ فِي النَّاسِ لَمْ تُؤمَنْ عَقَارِبُه ... عَلى الصَدِيقِ ولَمْ تُؤمَنْ أَفَاعِيْهِ
وقد ينطق الإنسان بالكلمة يظنها يسيرة وهي كبيرة من الكبائر."فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا - قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ - تَعْنِى قَصِيرَةً. فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والتِّرْمِذِيّ (وهو صحيح) .
ثانيًا: أنَّ الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لأنّه لما كمل بحسن المعاملة، فإنَّه ينقص بسُوء المعاملة حتمًا.
ثالثًا: أنَّ الهجرةَ إِنَّمَا تتحقق بترك المعاصي لا بمجرد الانتقال من بلد لآخر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ".
رابعًا: أنَّ ترك المحظورات مقدَّمٌ على فعل المأمورات وأنَّ الدِّينَ المعاملة.
والمطابقة: في كون التَّرْجَمَة جزءًا من الحديث.
(1) فالألف واللام في قوله"المسلم"للكمال كما في قولهم زيد الرجل، أي الكامل في رجولته.
(2) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"للقاري: [كِتَابُ الْإِيمَانِ] ج 1 ص 72.
(3) "فتح الباري"لابن حجر: (بَابُ بَعْثِ أُسَامَةَ) ج 1 ص 54.