فهرس الكتاب

الصفحة 1405 من 2668

وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»، فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ» ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟ قَالَ: «نِصْفَ الدَّهْرِ» ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"."

ـــــــــــــــــــــــــــــ

610 -"بَابُ حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ"

708 -الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إلا التِّرْمِذِيّ بَأْلفَاظٍ.

معنى الحديث: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كان يَصُومُ الدَّهْرَ ويَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وكان أبوه قد زَوَّجَهُ بامْرَأَةٍ ذَاتِ حَسَبٍ، وكان يَتَعَاهَدُهَا فَيَسْألُهَا عن زَوْجِهَا، فَتَقُولُ:"نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ"كِنَايَةٍ عَنْ أنَّهُ لا يُبَاشِرُهَا، وذلك لانْشِغَالِهِ طُوْلَ حَيَاتِهِ بالصِّيَامِ والقِيَامِ، فَذَهَبَ أَبُوهُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَخْبَرَهُ بِحَالِهِ، فاسْتَدْعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهار، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفعل، فنهاه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك، لأنَّ الله قد أوجب عليه حقوقًا جسمية واجتماعية لا بد أنْ يُؤَدِيَها.

فحَقُّ الجسم أنْ يعطيه نصيبه من النَّوم والرَّاحة. وحَقُّ الزَّوْجَةِ أنْ يَجْعَلَ لَهَا وَقْتًَا لمعاشرتها ومباشرتها. وحَقُّ الزَّائِرِ أو الضَّيْفِ أَنْ يستقبله ويكرمه، ويؤانسه. فإذا أعطى للعبادة وقته كله قَصَّر في أداء هذه الحقوق الأخرى، وهي واجبة. ولذلك نصحه أنْ يقتصر فِي الصَّوْمِ على صيام ثلاثةَ أيامٍ من كُلِّ شَهْرٍ، وله عن كل حسنة عشر أمثالها، فالثَّلاثَة الأيام تحسب عند الله ثلاثينَ يومًا، فيكون قد صَامَ الدَّهر والأيامَ كلها. فقال عبد الله: إنِي أستطيع أكثر من ذلك، فقال له النَّبِيّ:"فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ"، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأثْنَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذا النوع من الصِّيام فقال كما فِي رواية أخرى:"وهو أعْدَلُ الصِّيامِ"."قال: قلت: إنِي أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلك! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ (1) ، وإِنَّمَا وصفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأفْضَلِيَّةِ لأنّه يُمَكِّن صاحبه من أداء حق الله وحق نفسه وحق المجتمع عليه."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أنَّ الوَاجِبَ على المُسْلِم أنْ يُرَاعِيَ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ جِسْمَهُ وَنَفْسَهُ، ولا يَسْتَرْسِلُ فِي الصِّيَامِ فَيُقَصِّرَ فِي حُقُوقٍ أُخْرَى دينية ونفسية واجتماعية ولهذا رَغَّبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْتَصِدَ فِي صيامه وقيامه، وبيَّن له أنَّ أفضل الصِّيام وأَعْدَلَهُ صيام داوُدَ عليه السَّلام، ويليه صيام ثَلاثَةِ أيامٍ من كل شهرٍ. وقد تَبَيَّنَ لعبد الله بن عمرو قدر هذه النَّصِيحَة الغالية عندما كَبُرَ سِنُّه، ووهن جسمه، وعجز عن الصِّيام الذي كان يصومه والقيام الذي كان يقومه أثْنَاء شبابه، وتمنى لو قَبِلَ رُخْصَةَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستجاب لنصيحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت