جاء فيها النَّص الصَّريح على أنّه سأله عن رَمَضَانَ، حيث قال فِي سُؤالِهِ:"رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ، يَعْنِي رَمَضَانَ"كما تقدم فِي الشرح، ولهذا قال النووي:"قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْفَتْوَى يَجُوزُ صَوْمُهُ فِي السَّفَرِ وَيَنْعَقِدُ وَيُجْزِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ أَمِ الْفِطْرَ أَمْ هُمَا سَوَاء؟ ٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَا ضَرَرَ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ وَاحْتَجُّوا بِصَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِمَا وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا"اهـ (3) .
والصَّومُ أفضل لمن يقوى عليه، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابن رواحة صَامَا مع مشقة السَّفَرِ وَشِدَّة الحَرَارَةِ، كما فِي حديث أَبِي الدَّرْدَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد؛ فالحديث دليلٌ على أنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَر أَفْضَل لِمَنْ قَوِيَ عليه.
ولا يقال: إنَّ ذلك كان تَطَوُّعًَا لما فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عن أبِي الدَّرْدَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال فيها:"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وقال أحمد والْأَوْزَاعِيّ: يَجُوزُ الأَمْرَانِ والفِطْرُ أَفْضَل عَمَلًا بالرُّخْصَةِ، كما فِي الحَدِيثِ:"إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ"أَخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ حِبَّان (4) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ".
(1) قال في"سنن أبي داود -ن":"قال الأَلْبَانِيّ: ضعيف".
(2) أي إن صوم رمضان وفطره جائزان فِي السَّفَر.
(3) "شرح النووي على مسلم": (بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) ج 7 ص 229.
(4) قال فِي"صحيح ابن حِبَّان مُحَقَّقًَا":"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ، الحسين بن محمد هو: ابن أيوب الذارع، وَثَّقَه النَّسَائِيّ، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره المؤلف فِي"الثقات"8/ 190، ومن فوقه من رجال الصحيح. وحسنه المنذري فِي"التَّرغيب والتَّرهيب"."