الفَجْرُ صِرْتُ أنْظُرُ فِي الحَبْلَيْنِ فلا أُمَيِّزُ الأَبْيَضَ من الأَسْوَدِ، وهو معنى قوله:"فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي"أيْ لا أعرف هذا من هذا!"فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ"أيْ لَيْسَ المَقْصُودُ بالخَيْطِ الأَبْيَضِ والخَيْطِ الأَسْوَدِ حقيقتهما ومعناهما الظَّاهِرِىُّ، وإِنَّمَا المَقْصُودُ بالخَيْطِ الأَسْوَدِ سَوَادُ اللَّيْلِ، وبالخَيْطِ الأَبْيَضِ بَيَاضُ النَّهَارِ، ونوره وضياؤه، وفي رواية مُسْلِم:"لَمَّا نَزَلَتْ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} مِنَ الْفَجْرِ قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهار، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهار» ."
قال محمد فؤاد عبد الباقي فِي شرحه لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ (إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ) : المراد بالوسادة هنا الوساد كما فِي الرِّوَايَة الأخرى؛ فعاد الوصف على المعنى لا على اللفظ. وأمَّا معنى الحديث فللعلماء فيه شروح أحسنها كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى قال:"إِنَّمَا أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه وتأول الآية به لكونه سبق إلى فهمه أنَّ المراد بِهَا هذا؛ وكذا وقع لغيره مِمَّنْ فعل فعله حتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"مِنَ الْفَجْرِ"فَعَلِمُوا أنَّ المُرَادَ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ"اهـ. وَقَالَ القاضي عياض أَيْضًا مَعْنَاهُ:"إِنْ جَعَلْتَ تَحْتَ وِسَادَكَ الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَوِسَادُكُ يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَرِيضًا؛ وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ:"إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا"؛ لِأَنَّ مَنْ يَكُونُ هَذَا وِسَادَهُ يَكُونُ عِظَمُ قَفَاهُ مَنْ نِسْبَتِهِ بِقَدْرِهِ؛ وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى:"إِنَّكَ لَضَخْمٌ". وَأَنْكَرَ الْقَاضِي قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَبَاوَةِ أَوْ عَنِ السِّمَنِ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ إِلَى بَيَانِ الْخَيْطَيْنِ"اهـ (4) . والوَسَادَةُ: هِيَ المَخَدَّةُ وهِيَ مَا يُجْعَلُ تَحْتَ الرَّأْسِ عِنْدَ النَّوْمِ؛ والوَسَادُ أَعَمُّ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُتَوَسَدُ بِهِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كما تَرْجَمَ لَهُ البُخَارِيّ.
ثانيًا: أنَّ الصِّيامَ والإِمْسَاكَ يَبْدَأُ من طُلُوعِ الفَجْرِ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ تَفْسِيرًَا للآيَةِ.
(1) بفتح العين والميم.
(2) "المنهل العذب"ج 10.
(3) مختصر الأحكام = مستخرج الطوسي على جامع التِّرْمِذِيّ.
(4) "شرح النووي على مسلم": (بَابُ بَيَانِ أنَّ الدُخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ) ج 7 ص 201.